حدود العلم وحدود الحكم

الأربعاء - 13 سبتمبر 2017 مـ

حدود العلم وحدود الحكم

  • A
  • A
84    54
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
أوائل العقد الماضي أثار الدكتور حمزة المزيني جدلاً واسعاً، بعدما نشر سلسلة من المقالات تدعو لاعتماد الحساب الفلكي والطرق العلمية في إثبات هلال رمضان، بدل التعويل على الرؤية بالعين المجردة. لم يكن المزيني، وهو أكاديمي متمرّس، أول الداعين لهذا. لكن مجادلته المتينة للاستدلال التقليدي، جعلت الموضوع مورداً للنقاش العام. نعرف مدى تأثير ذلك النقاش من واقع أن مئات الناس باتوا يتساءلون، لا سيما قبيل رمضان: هل من الصحيح لنا بصفتنا مسلمين، أن نقف في الطرف المنكر للعلم الحديث ومستخلصاته؟
الجدل حول إثبات الهلال واحد من تمظهرات كثيرة لقضية أعمق، تتعلق بالمسافة الفاصلة بين الفهم المتوارث للنص الديني، وبين الواقع الجديد في العالم. جوهر هذه القضية أن لدينا نصوصاً أو تفسيرات لنصوص، تصف وقائع أو إدراكات معروفة في زمنها. لكن إنسان اليوم يفهم تلك الإدراكات والوقائع بطريقة مغايرة للوصف القديم.
في سنوات سابقة كان يقال إن مستخلصات العلم نظريات بشرية، قد تصحّ، وقد يظهر خطؤها بعد حين. ولذا فليس من الحكمة اتباعها وترك ما ورد في النص. لكن البشر المعاصرين يرون الأدلة على صواب تلك النظريات في تجارب تتكرر يومياً للمئات من الطائرات والسفن والأقمار الصناعية وسفن الفضاء، التي تتبع حسابات مبنية على تلك النظريات، فتصل دائماً إلى وجهاتها، بعد ساعات أو أيام أو أشهر أو حتى سنوات. في مطلع الشهر الحالي مثلاً سمعنا عن المسبار الفضائي «فوياجر» الذي أطلق في 1977 متجهاً إلى حافة المجموعة الشمسية، واستمر في إرسال المعلومات عن مساره المحدد سلفاً، بعدما قطع نحو 12 مليار ميل، طيلة 30 عاماً من الطيران في عمق الفضاء الكوني. إن الحسابات العلمية التي يسّرت ضبط هذا المسار المقارب للخيال في بعده، مستمدة من النظريات ذاتها التي قيل إنها قابلة للخطأ.
المؤكد أن مسلمين كثيرين سوف يسألون أنفسهم: كيف نثق بحسابات توصل مئات الطائرات والسفن إلى وجهاتها على بعد آلاف الأميال، ولا نثق بالحسابات نفسها حين تخبرنا عن وقت ولادة القمر أو ارتفاعه في الأفق؟
لو دققنا في باطن هذا السؤال لوجدنا وراءه سؤالاً أكثر جذرية، يتعلق بتعريف مهمة الدين: هل هي وصف الواقع أم تحديد قيمته والحكم عليه؟ في القرن الثاني عشر الميلادي قال أبو الفتح الشهرستاني إن الاجتهاد ضروري، لأن النص الديني محدّد والوقائع التي يغطيها غير محدّدة. وثمة ميل قوي بين الفقهاء للفصل بين الحكم الشرعي وموضوعه، والرجوع في تشخيص موضوعات الأحكام إلى العرف أو أهل الخبرة. والحق أن هذا دور العلم في حقوله المختلفة. فيما يخص الهلال مثلاً، فإن الشرع يأمرنا بصوم رمضان، أما تحديد بداية الشهر ونهايته فهو مهمة العلم. وكذا الحال في غالب الأحكام.
يقال في العادة إن الفقهاء لا ينكرون أحكام العلم الحديث، ما لم تعارض نصاً أو تفسيراً مألوفا للنص. وهذا قول صحيح في الجملة. لكنه تسوية جزئية فحسب.
جوهر المشكلة يظهر عند التعارض، وهو كثير جداً. وأظن أنه لا يمكن لنا الإمساك بالعصا من طرفيها. الحل الحقيقي هو الإقرار بقيمة العلم الحديث، وأن له دوراً محورياً في تشخيص موضوعات الحكم الشرعي. هذا يعني بالضرورة الإقرار بأن علم المعاصرين مقدم على علم الأولين، والإقرار بمجال عمل واضح للعلم، ومجال آخر للحكم، دون خلط بينهما.

التعليقات

عبدالله صالحين
البلد: 
Saudi Arabia
13/09/2017 - 07:23

من تيسير الدين علينا أن ربط الصوم بالرؤية المجردة كما في الحديث (صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين) ، ولاشك أن المعيار الفلكي أكثر دقة ، ولكن ليس السؤال عن تعارض بين العلم والدين ، ولكن عن جدوى تبني المعيار الفلكي العلمي ونحن مصرح لنا الصوم والفطر بالرؤية ، والحديث أيضاً يفصل في حالة تعذر الرؤية،
اذن ليست مسألة رفض للعلم آو عدم ثقة به بقدر ماهي مسألة طريقة وتقليد وسنة متبعة لم تتغير مصرح من خلالها الصوم للرؤية المجردة بالعين، وليس في تبني الدقة الفلكية اضافة مهمه على العكس قد ينظر لها كأداة تفقد لذة التحري والخروج للرؤية وتميت هذا التقليد المتوارث،

يوسف عبدالرحمن المحسن
البلد: 
المملكة العربية السعودية
13/09/2017 - 18:35

المعروف والواضح والظاهر يا أستاذ توفيق أن المنقول الصريح لا يخالف المعقول الصحيح وكذلك لا يخالف العلم بأي شكل من الأشكال فالله هو من أنزل كتابه ودينه وهو من ألهم البشر ليفيضوا بشي مما هو من إرادة الخالق اصلا ، ولا يصح التعارض لان الموجد واحد فكما أنه نزل الدين فإنه ملهم العقول ومودع العلوم في صدور وأفكار العلماء ، والصحيح هو أن يستعان بالعلم ليسهل ويقرب ويعين على تطبيق الشريعة وأحكامها ، فلا ضير من الاستعانة بالعلم الحديث لمعرفة بعض المواقيت ولكن لا تجعل هي السبيل الاوحد فكم عصر وقرن مر على الاسلام دون وجود العلم فهل نقول ان عبادتهم كانت ناقصة ، الدين يسر وليس عسر ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها
الأمة بحاجة لمواضيع وشؤون أهم من الاستعانة بالعلم او عدمه هذا شأن مفروغ منه لمن ألقى السمع وهو بصير
نسأل الله العفو والعافية

عرض الكل
عرض اقل

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة