اعترافات فيروز

الأحد - 24 سبتمبر 2017 مـ

اعترافات فيروز

  • A
  • A
84    54
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
كثيرة الأسرار التي لم تتمكن فيروز من البوح بها خلال عمرها الفني المديد، بل لا يمكن أن تتخيل امرأة لديها من المخبوء بقدر ما تتكتم عليه. هي سيدة الصمت الغامض والكلمات النادرة الشحيحة التي تُنتزع منها انتزاعاً. قولها بقي حبيس مئات الأغنيات البديعة التي كُتبت لها في «ريبرتوار» هو من الروعة بحيث لم تحظَ به مغنية عربية سواها، لكنه كلام غيرها.
المرأة التي أسعدت العرب جميعاً بقيت كما كل النجوم الكبار، أسرارها كامنة في داخلها «نايمة ومنسية» تعيش عمراً وكأنه ليس لها تحاول الهرب لكنها لا تستطيعه، ورغم عشق الملايين الذي لا بد أنها حُسدت كثيراً عليه، فها هي تشكو لجمهورها وتعترف: «ولا يوم قدرت عيش حياة ثانية برّات الغنية. حياتي عشتا وما عشتا، تمرق قدامي كأنا خبرية». «لوحدي مشيت واجهت الكل كفّيت حياتي. أيام كثير بكيت وصليت أنا وحالي. وحدي احتجّيت، مش كل شي صار، كان دايماً، بإيدي». عمّن تتحدث فيروز؟ وماذا تريد أن تقول؟
لا يمكنك وأنت تسمع أغنيتها «حكايات كثير» في ألبومها الجديد «ببالي» الذي يثير آراء متباينة حوله، إلا أن تسدّ أذنيك عن كل الضجيج والغبار المتصاعد حول المستوى الفني والألحان ومدى تألق الحنجرة، لتنصت بإصغاء وتمعن شديدين إلى الكلمات التي تشبه حياة فيروز إلى حد التطابق، والشجن الذي يعيدك إلى كل تلك الحكايات حول الرحابنة وتاريخهم الاستثنائي الذي اندغم فيه الشخصي بالفني، والزوجي بالأخوي، كما لو أنك أمام أسطورة إغريقية في دراميتها وتعقيدها.
ليست كل أغنيات الأسطوانة سيرة ذاتية، لكن الخيارات وإنْ كانت للابنة ريما الرحباني، التي باتت تتولى جلّ المهمات، ليست فيروز بريئة منها، وهي المعروفة بانتقائيتها.
في أغنية «بغير دني» كأنما إكمال لبوح نادر، وحديث عن رهبة مواجهة الجمهور التي لم تغادرها أبداً «العيون مسمرة عليً، قلبي بيدق، خوفي يزيد. إحساسي ذاته منو جديد رغم العجقة حوالي». جميل أن تسمع اختلاجات فيروز، نبضات قلبها صوت إحساسها «هيدي الحياة إلى اخترتا بتنقل من خوف لخوف، من كل المدن إلى زرتا، تبقى دايماً نفس اللحظة بغني وبصير بغير دني، بغير مكان، وغير زمان وحيدة... وسعيدة». لعلها من المرات القليلة التي تشعر فيها بأن السيدة لا تغني بل تروي قصتها، إما بأغنيات اختارتها لغيرها من كبار كانت تستمع لهم أو تعرفت إلى أغنياتهم.
بإمكانك أن تعترض على أسطوانة فيروز الجديدة ما شئتَ، فثمة الكثير مما يمكن أن يُقال؛ فلا الغلاف الذي يشبه صورة شعاعية يحمل جمالية كبيرة لبروفيل الفنانة الكبيرة، ولا الأغنيات التي أريد لها أن تكون مترجمة عن كلاسيكيات لفنانين غربيين عبروا، وموسيقات عتيقة مجددة، أضافت في العموم إلى مجد فيروز. أنت مع «ببالي» تعير سمعك، وتستنفر ذاكرتك التي تحب هذا الصوت، شريط حياتك الذي ارتبط بالنبرة الحنون. هي توليفة عملت عليها الابنة ريما من منظورها وبأسلوبها في الكتابة، ورؤيتها الخاصة جداً في تقديم والدتها لجمهورها.
قد يكون من القسوة القول: إذا كنتَ ممن يحبون «إيماجن» لجون لينون، أو «ذي واي وي آر» لبربارا سترايسيند، أو الطريقة التي يؤدي بها الرهيب بوتشيللي «بيسامي موتشو» وغيرهم ممن اقتُبِس من أغنياتهم الألبوم، فاذهب إليهم مباشرة، فليست النسخة الفيروزية هي التي تبحث عنها، ولا الألحان التي وزَّعها لها ستيف سيدويل هي ما سيخلبك. مع «ببالي» لك حسابات أخرى لها صلة رحم عاطفية بتاريخ من الحب المعتّق والمقطّر مع من تقاسمنا وإياها جنون الحرب، وآمال السلام ودروس الحب الأولى، والدفاع عن الوطن والكرامة، وأغنيات الطفولة والأمل.
فيروز الرمز الموازي لفكرة الوطن، بصوتها، هي مثل أم تهدهد أولادها. كان يكفي في حفلتها الأخيرة في «بلاتيا» شمال بيروت، على ساحل علما، أن تمسك الدفّ بيدها وترفعه عالياً وتضرب عليه مرتين كي يصيب مسّ من الجنون آلاف الحاضرين. «جارة القمر» ليست أسطوانة بمقاييس فنية، إنها رفيقة عمر الملايين طوال ستة عقود ونيف.
شيء ما في إصدار فيروز الجديد، وهي على أعتاب الثالثة والثمانين، ويهبط كهدية غير منتظرة على محبيها، يذكّر بكتابات نجيب محفوظ التي لم تعد روايات في «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة». هي خليط بين ترددات ستين سنة من الغناء ومراجعة حسابات شخصية، كلام بعضه لافت وآخر لم يجد عناية صقله وتشذيبه، فجاء كالأحاديث المحكية اللبنانية مفتقداً سحر المفاجأة والألمعية الشاعرية التي ارتبطت بها أعمال فيروز.
في أي حال، لا تحتاج السيدة الكبيرة الآن كي ترضي منتظريها، أكثر من أن تغني، وهي بالفعل حرّة. بعد كل ما أعطت، لها أن تفعل ما تشاء، وأن تختار لإدارة أعمالها من تريد. لكن هذا لا يعني مصادرة النقد أو منع الاعتراض.
فيروز في مراحلها الثلاث، وهي في العشرين كما في الثمانين، أثبتت ليس فقط أن صوتها صار عشقاً، ولكن أيضاً أن لها دربة في الأداء من صنف له ليونة فريدة. هي في الأصل تغني كما نحكي، وها هي تكمل. من مشوارها مع الأخوين رحباني التأسيسي بمداميكه التجديدية، إلى مرحلتها الانتقالية الطويلة مع زياد التي بلغت فيها ألقاً شبابياً لم نره لأي مطربة في الخمسين والستين، ثم إلى شراكتها الأخيرة مع ابنتها ريما، تريد فيروز ألا تستكين كما قالت «قديه فرحت وحزنت، والنهايات مش دايماً سعيدة... رغم هيك، أنا أكيدة إني آمنت، وما استسلمت، وعشت حياتي».

التعليقات

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
24/09/2017 - 14:39

مسافر زاده الخيال هي مطلع أغنية النهر الخالد لموسيقار الجيلين الذي اتحفنا بأغنية ،من غير ليه، وهو في الثمانين من عمرة ، نعم لقد عشش الخيال في ذهني ، ذلك الخيال الذي ينتج إبداعا ، .اذا كان محمد الوهاب قد اطربنا بأغنية النهر الخالد عام 1954 ، وانتشينا طربا عندما معنى في الثمانين من عمره ، فلا بد أن النجوم التي استدعت فيروز لتكون سفيرتنا هناك بصوتها المخملي وابت
كاتبنا الا ان تستعمل قلمها المآسي لتخبرنا عن آخر أغنية شدت بها فيروز ، والتي اختزلت بها مشوار فني كنا نظن انه وردي بلا أشواك ، واجد نفسي هنا مضطرا للعودة إلى عبد الوهاب ، الذي غنى للورد ، فقال ، علشان الشوك اللي في الورد انا احب الورد ، فمن موسيقار الجيلين إلى سفيرة النجوم يبدو أنهما يعبران بالنيابة عنا ، عن حالة حزن وشجن نعيشها جميعا ، وكأنها فطرة وجمال ،

عرض الكل
عرض اقل

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة