الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

الاثنين - 25 سبتمبر 2017 مـ - رقم العدد [14181]

الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

وصفت بالأيقونات لحملها الحكومات على تغيير سياساتها
  • A
  • A
لندن: رجينا يوسف
إذا كانت الكلمة تجسّد صورة، فللصورة الواحدة ألف كلمة تخترق حواس الإنسان لتنقل له الحقيقة من أرض الواقع. منذ آلاف السنين كانت ألواح الطين والنقش على جدران قصور الملوك منذ عهد الإمبراطورية الآشورية، الوسيلة الوحيدة المتاحة لتوثيق المعارك وعرض ملاحم الحروب التي كانت تستعر بين الجيوش القديمة. ولا تزال قطع أثرية كبيرة منها شاهدا حياً، تقبع في أهم متاحف العالم.

بعد الألواح الطينية، بدأت مرحلة رسم لوحات فنية تجسّد أرض المعركة والانتصارات. فقد رسم الفنان الألماني ألبرخت التدورفر (1480 - 1538) رائد فن المناظر الطبيعية والعضو المؤسس لمدرسة دانوب للفن، لوحة زيتية تجسّد معركة الإسكندر في إسوس التي وقعت في عام 333 ق.م، وانتهت بانتصار جيش الإسكندر الأكبر وبهزيمة منكرة لداريوش الثالث حاكم بلاد فارس وآخر ملوك الفترة الأخمينية.

لم يعد العمل التصويري في يومنا هذا حكراً على المصورين الصحافيين، بل أصبح بمقدور كل من يشاء أن ينقل للعالم مباشرة، آخر الأخبار وأهمها، بصورة أو بمقطع فيديو أو حتى بقصة قصيرة، بفضل التطور التقني الذي نشهده. ولكن لكلّ جديد بدايته وتأثيره الخاص في حقبته الزمنية، فمن كان أول مصوّر صحافي للحروب وما هي قصة الصورة الأولى وتأثيرها في الشارع الشعبي وفي الإعلام تحديداً.

ظهرت عدسة الكاميرا منذ فترة زمنية قريبة، قياسا بتاريخ البشرية، فقد شهد العالم ولادة أول صورة فوتوغرافية عام 1826. حين التقط العالم الفرنسي جوزيف نسيفور نيبس، صورة لمدينته في غراس استغرق تظهيرها ثماني ساعات.

- وادي ظلّ الموت

شكّلت حرب القرم في العام 1853 التي اندلعت على أراضي شبه الجزيرة في شمال البحر الأسود، بين روسيا من جهة والدولة العثمانية بمساندة فرنسا وبريطانيا ومصر وإيطاليا من جهة أخرى، نقطة تحوّل في نقل صور الحروب من أرض المعركة إلى العالم. في خضمّ هذه الحرب ولد نوع جديد من التصوير بات يُعرف بصحافة تصوير الحروب من أرض المعركة.

يعتبر روجر فنتون المصوّر البريطاني، أول مصور حرب في العالم، اشتهر بصورة «وادي ظلّ الموت».

لم تظهر صورته هذه، وحشية الحرب كما صور الحروب اليوم، فلا جثث ملقاة على الأرض، ولا نيران مشتعلة، بل مجرد مناظر طبيعية استعان فنتون خلال تصويرها بكرات تعود لمدافع نشرها في أرض قاحلة في القرم، لتصوير مشهد مفبرك عن الحرب؛ ولكنّ قوة التصوير جعلت الصورة كفيلة بنقل مشاعر الرّعب في المكان.

تعتبر «وادي ظلّ الموت»، البداية الحقيقية لهذا النوع من التصوير، وقد أظهر عمل فنتون، قدرة الوسيط الفني الجديد على منافسة الفنون الجميلة القديمة في تصوير الحروب.

بعد انتهاء الحرب، عاد فنتون حاملاً معه 360 صورة من أرض الميدان، نشرت في صحيفة «ذا إلوستريتد لندن نيوز»The Illustrated London News. ومنذ ذلك الوقت صارت آلة التصوير جزءاً لا يتجزأ من المعلومات المدعمة بالصور التي تعتبر الدليل الحي على أحداث الحرب أينما وقعت.

- فتاة فيتنام والنابالم

تعتبر «فتاة فيتنام» صورة تاريخية تنطق بآلاف الكلمات وبمختلف لغات العالم، وتصدّرت صفحات الجرائد وعناوينها. خلقت الصورة حينها سخطاً شعبياً ودولياً كبيراً. انتفض الشارع الأميركي غاضباً ضدّ الحزب الجمهوري الحاكم آنذاك، برئاسة ريتشارد نيكسون. أوصلت الصورة وجع الفتاة إلى جميع أنحاء العالم، وأسهمت لحدٍ كبير في وقف الحرب الفيتنامية.

في 8 يونيو (حزيران) 1972. التقط المصوّر نيك أوت الذي كان يعمل في وكالة أسوشييتد برس الأميركية، الصورة في قرية ترانغ بانغ بجنوب فيتنام.

كان نيك بصدد تصوير فيلم عن استخدام قنابل النابالم في قصف القرية، حين ظهرت أمامه فتاة فيتنامية عارية، عمرها 9 سنوات، تهرع راكضة صارخة مردّدة «ماء... ماء... إنها حارقة جدًا»، بعد استهداف المعبد الذي كانت تختبئ فيه مع عائلتها ومواطنين آخرين بقنابل الـ«نابالم» التي استخدمها الطيران العسكري الأميركي في حربه ضدّ فيتنام.

- صورة سقوط الجندي

في الصورة جندي في لحظة موت. ضجّة كبيرة رافقت الصورة لدى نشرها في مجلة «فو» (vu) الفرنسية. اعتبرها البعض رمزاً لمكافحة الفاشية، فيما رأى فيها آخرون، أنّها أكثر من ذلك، فهي تصلح لأن تكون بياناً عالمياً مناهضاً للحرب. وفي كلتا الحالتين، فإنّ تأثيرات التصوير الفوتوغرافي في السياسات بدأت تحقق تقدماً سريعاً منذ ذلك التاريخ.

التقطها المصوّر الإخباري روبرت كابا إبان الحرب الأهلية الإسبانية في منطقة قرطبة. يظهر فيها جندي بعد إصابته بطلق ناري، متراجعا في حالة سقوط. هذه اللقطة كانت من بين أهم صور الحرب في القرن العشرين. أضحت أيقونة الحرب الأهلية الإسبانية. ودفعت بتغيير المواقف السياسية وأسهمت في خلق تعاطف مع الثوار ضد حكم فرنكو الفاشيستي.

وعلى الرغم من جميع التساؤلات والنقاشات التي طالتها والتشكيك في مدى مصداقيتها، فإنّها بقيت في طليعة الصور المؤثرة إنسانيا واستمرت محافظة على أهميتها وشهرتها، والناظر إليها يرى كيف أنّ الحرب تخطف النفوس بلحظة، وهي من أكثر الصور التي تجسّد لحظة انتقال الإنسان من الحياة إلى الموت.

- سحابة الفطر فوق ناغازاكي

صورة السحابة التي تظهر على شكل حبة فطر كبيرة في سماء ناغازاكي باليابان، حيث ألقت الولايات المتحدة الأميركية قنبلة ذرية وكانت قد ألقت قبلها بأيام واحدة في هيروشيما، إبان الحرب العالمية الثانية وتحديداً في 9 أغسطس (آب) 1945، أكبر برهان على قدرة الإنسان في إلحاق دمار هائل وعلى نطاق واسع بالطبيعة والعمران والأهم بالإنسان. سحابة الفطر هذه، تسببت بقتل نحو 80 ألف شخص دفعة واحدة وأنهت الحرب باستسلام اليابان، ولا تزال الصورة إلى يومنا هذا تعيش في ذاكرة كثيرين حول العالم.

- التفرقة العنصرية

يظهر في الصورة رجل أسود يشرب من صنبور مياه كتب فوقه «ملوّن»، وإلى جانبه صنبور آخر متصل بمبرد كهربائي مخصص، كتب عليه «أبيض».

تجسد هذه الصورة حال التفرقة العنصرية بين الرجل الأسود وبين الرجل الأبيض، التي كانت سائدة في الولايات المتحدة الأميركية. التقطها المصوّر الفرنسي إليوت إرويت عام 1950 في ولاية كارولينا الشمالية.

تعبر هذه الصورة عن ظلم التمييز الاجتماعي والطبقية، وقد باتت رمزاً لحاجة التغيير. عند رؤيتها مجدّدا، يظهر التغيير الذي حصل منذ تلك الفترة إلى اليوم.

- تدمير مركز التجارة العالمي

يوم الثلاثاء في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تعرّضت الولايات المتحدة إلى هجمات انتحارية، نفّذها 19 شخصا على صلة بتنظيم «القاعدة». أول هجمة نُفّذت في الساعة 8:46 صباحا بتوقيت نيويورك، لدى اصطدام طائرة مخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي. وبعدها بدقائق، اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الجنوبي. وبعد ما يزيد على نصف الساعة، اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون.

بعد أقل من 24 ساعة على الأحداث، أعلن حلف شمال الأطلسي أنّ أي هجوم على أي دولة عضو في الحلف، هو بمثابة هجـوم على الدول الأعضاء فيه.

لم تكن الصورة وحدها شاهدا على هذا العمل الإرهابي، فقد أسهمت شاشات التلفزة العالمية بنقل الحدث مباشرة إلى العالم؛ ولكن ما بقي في أذهان الملايين اليوم، هي صورة البرجين تأكلهما النيران بما حوياه من بشر.

هذه الصورة أسهمت إلى حد بعيد بدعم التغييرات الكبيرة في السياسة الأميركية. بدأت مع إعلانها الحرب على الإرهاب، وعقب هذه الهجمات، شنّت واشنطن حرباً على طالبان وأسقطت حكمها في أفغانستان، لتفتح بعدها حربا على العراق، مطيحة بحكم صدام حسين.

- صور سجن أبو غريب

صور لأبشع أنواع العذابات والانتهاكات الجسدية والنفسية والإساءات الجنسية والاغتصابات والقتل، خرجت إلى العالم عام 2004 لتفضح ما تعرّض له سجناء ومعتقلون عراقيون من ذل وإهانة في سجن أبو غريب، على أيدي جنود أميركيين.

بعد فضيحة سجن أبو غريب بفترة وجيزة، تعهد الرئيس جورج دبليو بوش، بتقديم مرتكبي هذه الأعمال إلى العدالة، ليتضح بعد أشهر أنّ عمليات التعذيب هذه، لم تحدث في سجن أبو غريب فقط، بل في عشرات مراكز الاحتجاز الأميركية حول العالم، وقد أدّت إلى قتل أعداد كبيرة من المدنيين الذين وقعوا ضحايا اتهامات لا علاقة لهم بها، بحجّة أنّهم على صلة بتنظيمات إرهابية.

بعد الفضيحة، كشفت صحيفة الـ«واشنطن بوست» أنّ 35 معتقلاً ماتوا في المعتقلات الأميركية في العراق وأفغانستان نتيجة التعذيب. فيما نشرت الـ«نيويورك تايمز»، قائلة، إن المحاسبة كانت غير مقنعة للمتورطين، فقد أجرت الحكومة الأميركية تحقيقاً شاملاً، اتُهم بعدها بعض أفراد الشرطة العسكرية من الرتب الصغيرة، وحتى العام 2008 فإنّ أعلى رتبة عسكرية تعرضت للمحاسبة كانت بمنصب نقيب، وقد حُكم عليه بالسجن 45 يوماً ودفع غرامة قيمتها 12000 دولار أميركي.

- الطفل السوري إيلان

صورة لجثة طفل سوري قذفتها أمواج البحر على الشاطئ قبالة سواحل بودروم التركية.

دفعت الحرب الدائرة في سوريا بالكثير من مواطنيها لأخذ قرار صعب جداً، إمّا البقاء في أرض المعركة حيث يتربصهم الموت في كل لحظة، أو المجازفة وركوب البحر، بكل ما يحويه هذا القرار من مخاطر.

ليس الطفل إيلان الوحيد الذي مات غرقاً، بل هو واحد من بين مئات الأطفال الذين ابتلعتهم المياه الدافئة في فترات الصقيع، إنّما صورته هذه، استطاعت أن تجسّد وجع السوريين ومعاناتهم من جحيم حرب شعواء تحصد في كل لحظة عشرات القتلى. لفتت صورة الطفل إيلان ممداً على رمال البحر وكأنّه نائم بهناء بألوان ثيابه المفعمة بالحياة، الأنظار إلى قضية شغلت العالم وخصوصاً دول الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من مخاوف الاتحاد من هجمة اللاجئين والمحاولات الحثيثة لإيقافهم ومنعهم من دخول أراضيها، فقد ظهرت مأساة أكثر وجعاً، عائلات تقامر بحياتها تخوض رحلة موت، في زوارق شهدت هلاك مئات بل آلاف اللاجئين.

صورة الطفل إيلان كانت رسالة مكتوبة بأحرف من دماء، وجّهت إلى زعماء وحكام العالم، لتقول لهم، جلّ ما يريده هذا الشعب نسمة حياة، بعد معاناة من التشرد والجوع والخوف من موت محتّم.

شغلت الصورة وسائل الإعلام العالمية، واحتلت صفحات جرائده الأولى، ولم تبق محطة تلفزيونية عربية أو أجنبية، إلّا ونقلت الصورة على شاشاتها. كما نُظّمت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي متعاطفة مع موت إيلان، حاثة المنظمات الإنسانية العالمية على التحرّك لإيجاد حلول جذرية لإنقاذ المهاجرين من الموت.

صورة الطفل إيلان تنطق بآلاف الكلمات وتذرف دموعا تضاهي مياه المتوسط التي سرقت روحه.

تعليقاً على الصورة كتبت صحيفة «الإندبندنت»البريطانية متسائلة «إن لم تغير صورة الطفل إيلان الموقف الأوروبي من اللاجئين، فما الذي سيغيره؟».

لعشرات السنين استطاعت الصورة أن تكشف حقائق كثيرة عن الحروب وتوثّق أحداثها ناجحة في تحريك شوارع شّعبية في وجه حكوماتها وإجبارها على تغيير سياساتها أو استحداث قوانين جديدة لخلق مجتمع متساو في الحقوق الاجتماعية إلى حد ما، ونبذ العنصرية وسنّ قوانين تعاقب من يخالفها. ولكنّ التطور التكنولوجي السريع الذي شهده ويشهده العالم، في إبراز مقدرة الصورة على التغيير، بدا أنّه سلاح ذو حدّين، فما توفّره التقنية من إمكانية التغيير والتلاعب في حقيقة ما تظهره الصورة من خلال استخدام برنامج «فوتوشوب»، أفقدها الكثير من المصداقية التي كانت تتمتّع بها.

- الصورة تفرض وجودها

«من دون الصورة لا يستطيع النص أن يؤثّر في نفس المتلقي». هكذا بدأ المصور شربل ملّو حديثه لـ«الشرق الأوسط». وتابع المصور الذي غطى حروب اليمن وسوريا ولبنان قوله: «وحدها الصورة قادرة على نقل المشهد بتأثيراته، فمهما حاول كاتب النص أن يصف المشهد فلن يكون وقعه على المتلقي كالصورة، ويستشهد بصورة فتاة فيتنام كدليل على قدرة الصورة في نقل المشهد والتأثير بالمشاعر».

ويتابع ملّو الذي يعمل حاليا في «سكاي نيوز - عربي»، متناولا صورة الطفل السوري آيلان: «استطاعت هذه الصورة أن تترك انطباعاً مختلفاً في نفوس ملايين الناس من حول العالم، على الرغم من جميع الأخبار التي تناولت أزمة اللاجئين وكتبت بالأرقام، أعداد الضحايا التي لاقت حتفها في البحر».. ملو غطى بنفسه أخبار المهاجرين الذين ركبوا البحر للوصول من شمال أفريقيا إلى الدول الأوروبية.

وعن اختيار اللقطة المناسبة والمؤثرة قال: «بصفتي مصورا لا أستطيع البحث عن صورة مؤثرة، فأنا التقط الكثير منها، وبعد نشرها، وحدها الصورة المؤثرة تستطيع فرض وجودها، فأنا أصوّر كل ما يلمسني عاطفيا، وحسب اعتقادي جميع الصور التي أثّرت وغيّرت في بعض السياسات وباتت مشهورة أخذت كغيرها ولا أعتقد بأنّ مصوّرها كان على علم بأنها ستؤثّر إلى هذا الحد.

للتأكد من مصداقية الصورة بعد هذا التطور التقني والقدرة على التعديل والتغيير فيها، ينصح ملّو بالبحث عن مصدرها، موضحاً: «ليس من الضروري أن يصدّق العالم كل ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي ومصدر الصورة وحده يعطيها المصداقية».
المملكة المتحدة إعلام

الوسائط المتعددة