الصخب والحقائق

الخميس - 12 أكتوبر 2017 مـ

الصخب والحقائق

  • A
  • A
84    54
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
منذ صدور مذكرات عمرو موسى، (كتابيه)، والجدل حولها قائم بأقلام الكتّاب المصريين من جميع المراتب والأهواء. والنتيجة الأولى لهذا الصخب أن الطبعة الأولى من المذكرات نفدت، وتعمل «دار الشروق» على دفع الطبعة الثانية.
السبب الأهم للصخب أن عمرو موسى روى أنه يوم كان دبلوماسياً ناشئاً في سويسرا، كان موظف مصري يحمل إلى الرئيس عبد الناصر، المصاب بالسكري، كمية من الجبنة البيضاء. قامت الدنيا. إنها مؤامرة لتشويه صورة عبد الناصر المتقشف، مع أن قالب جبنة «طبية» لا يؤثر في صورة أي إنسان عادي. فالموظف لم يكن يحمل الشوكولا السويسري، أو نوعاً من الساعات، بل مجرد نوع من الجبنة لا وجود له في القاهرة آنذاك.
وحدث ضجيج آخر مثله لأن عمرو موسى ذكر أن الراحل أسامة الباز كان يحب أن ينادى بالدكتور، وهو ليس بدكتور. وفي اعتقادي أن «الدكتور» في أسامة الباز كانت آخر مزاياه. فلا ندري عدد مئات الألوف من الدكاترة في مصر، لكن كان هناك أسامة الباز واحد بخُلقه وتجربته ورؤيته وتواضعه.
لكن المذكرات مذكرات. وهي ما يتذكر صاحبها، وليس ما نريده نحن أن يتذكر. وجميع الذين ناقشوا عمرو موسى، أو حملوا عليه، لم يقدموا نفياً واحداً لما روى، بل أرادوه أن يزين ويجمِّل ويحوِّل كل شيء لإرضائهم، وليس لإرضاء الحقائق والتاريخ.
مذكرات عمرو موسى مكتوبة في صدق غير مألوف، وهذا غير مألوف في المذكرات العربية: ومكتوبة بأمانة ودقة في التدوين. ولا شك أنه كان يعرف أكثر من أي إنسان آخر ما سوف يثار حولها، لكنه اختار الحقائق، سواء كانت جبنة بيضاء، أو أنه اكتشف أن له في فرنسا أخاً يدعى بيار ذهب للبحث عنه والالتقاء به.
تُكتب المذكرات عادة من أجل الوجدان. وجدان الكاتب، لا القارئ. وقد وضع كبير المفكرين جان جاك روسو مذكراته تحت عنوان «اعترافات». نقاد عمرو موسى أرادوا منه أن يكتب مذكراتهم، وأن يعبِّر عن مشاعرهم ومواقفهم، وأن يستبدل بالحقيقة الصعبة كذبة جميلة.
الناصريون أرادوا مذكرات ترضي عواطفهم، فوجدوا فيها حرقة 1967 وشكوك مظاهرات 9 يونيو (حزيران)، وخطاب الاستقالة. ومؤيدو السادات خذلهم صاحب المذكرات. وبرغم محبته لحسني مبارك، توقف عند مظاهر الفساد وسلوك التوريث. المذكرات يُناقَش كذبُها، لا صِدقُها.

التعليقات

هاني مامي
البلد: 
ليبيا
12/10/2017 - 00:17

مقال رائع جدا .

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/10/2017 - 05:05

ما كتبته استاذنا سمير عن مذكرات السيد عمرو موسى هذا بالضبط ما نقصده لسنا هواة نقد كما اعتاد عليه ال انما من باب الحرص نريدامة معافاة من اى مرض نريد امة شجاعة تعترف بأخطاها وتصلح ما اخطأت فيه نريد امة يتسفيد الشباب من تجاربها طالما الان هنالك تفاعل فى مذكرات السيد عمرو موسى دليل على صدقها ونجاحها فالنخرج رؤوسنا من الرمال ونواجه مشاكلنا ولانخجل واتمنى مخلصا ان تكون بقية المذكرات اكثر من حقائق الجبنة البيضاء نريد ان نعرف لماذ هزمنا فى عام 1967م مع اننا كنا الاقوى فسلاح الطيران المصرى كان فى ذلك الوقت اقوى سلاح طيران فى المنطقة نريد ان نعرف ماذا حدث بعد الانتصار عام 1973م وما هو حقيقة مضيق (الدررسفوار ) ليعرف الجيل القادم

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/10/2017 - 08:34

بالطبع ليس المطلوب من صاحب المذكرات أن يتذكر ققط ما يريده قارئها أو أن يخف الحقائق ولكن ربما يكون التنقيح وإزالة "الزوايا الحادة" ضرورياً أيضاً لأي منشور.

زياد
البلد: 
syria
12/10/2017 - 09:37

نحن في عصر الانقراض نحتاج للزوايا الحادة

صورة naseer18n@gmail.com
12/10/2017 - 10:23

المجتمع العربي تعود على المذكرات المزيفة وطبيعي هذا الجدل بعد مذكرات بأسلوب لم يعتادوا عليه
مقال جميل

غسّان غصن
البلد: 
لبنان
12/10/2017 - 11:11

أستاذ سمير، أعجبني جدًّا - وعلى نحوٍ خاصّ - قولُك اللُّغَويّ الصائب "أن يستبدل بالحقيقة الصعبة كذبة جميلة"، أي أنْ يستعمل كذبةً جميلة بدلًا من الحقيقة الصعبة؛ إذ متى وُجِدت ’الباءُ‘ في كلّ الأفعال الدالّة على الاستبدال (بَدَلَ، بَدَّل، تَبَدَّلَ، أبْدَلَ، استَبْدَلَ) فإنها لا تدخل إلّا على المتروك أو المحذوف، وإلّا كان استعمالُها خاطئًا. وحين نُبِّه أميرُ الشعراء إلى هذا الخطأ (أنا مَن بدَّل بالكُتْب الصِّحابا / لم أجد لي وافيًا إلّا الكتابا)، أعاد نظْمَ الشطر الأول إلى: مِلْتُ للكُتْب وودَّعتُ الصِّحابا - فاستقام المعنى وصحَّ التعبير. ولكَونيَ من معارِضي مبدأ (الخطأ المشهور خيرٌ من الصواب المهجور)، أُكرِّر اِعجابيَ الشديد باستخدامك ’باءَ‘ البدل على نحوٍ صحيح (وهو أمرٌ نادرٌ جدًّا منذُ بضعة عقود)، متمنّيًا على الجميع أنْ يَحذُوَا حذوَك.

عرض الكل
عرض اقل

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة