روكوَل المتبدل وبلامر الثابت... وعينا جنكينز الحانيتان

الثلاثاء - 13 فبراير 2018 مـ - رقم العدد [ 14322]

روكوَل المتبدل وبلامر الثابت... وعينا جنكينز الحانيتان

«الشرق الأوسط» في ترشيحات الأوسكار 3: سباق أفضل ممثل مساند وتفاوت في الأداء
  • A
  • A
سام روكوَل (على اليمين) ووودي هارلسون. - ويليم دافو - كريستوفر بلامر - ريتشارد جنكينز
لوس أنجليس: محمد رُضا
من المؤسف أن دور وودي هارلسون في «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري» ينتهي بعد نحو نصف ساعة من الفيلم كممثل في دور رئيس شرطة يشعر بالتعاطف مع بطلة الفيلم (فرنسيس مكدورمند) لكنه لا يوافق على تصرفاتها. ويعاني بعدها من سرطان بدأ يتفشى فينهيه بالانتحار. الأداء نموذجي في تشخيصه لكل ذلك بمعايير متواضعة وعملاقة في الوقت ذاته.
فخلال نصف الساعة ذلك، شغل نحو 10 دقائق منها، أهمها تلك التي يحاول فيها إقناع بطلة الفيلم بأن تمنحه فرصة أخرى لمواصلة البحث عن قاتل ابنها، وتذكيرها بأن البحث لم يتوقف لكنه لم يصل إلى نتيجة، وأنها أخطأت حين لامته علناً وهو على حافة الموت.
رحيل هارلسون من الفيلم بعد ذلك بمشهدين أو ثلاثة، يدفع بالممثل سام روكوَل إلى المقدّمة. مثل رئيسه هارلسون في الفيلم هو مريض، ليس جسدياً لكن نفسياً. شخص سقط تحت وابل من التعاليم والمبادئ العنصرية التي تكفلت بها والدته. تمطره كل يوم بآرائها حول الآخرين وبتوجيهاتها حول ما يستطع القيام به وما لا يستطيع. ليس ذنبه أن التغيير يحدث بسبب رسالة أو أن تركيبة المشاهد التي تؤدي به إلى الانتقال من الشر إلى بعض الخير غير مقنعة. لكن حضوره مدهم وقوي وأكبر حجماً من حضور هارلسون وأبقى.

منوال واحد
كلاهما، هارلسون وروكوَل، يتنافسان و3 آخرون على واحد من أقسام مسابقات الأوسكار المهمّة وهي «أوسكار أفضل ممثل مساند». الثلاثة الآخرون هم: كريستوفر بلامر عن «كل مال العالم»، ويليم دافو عن «مشروع فلوريدا»، وريتشارد جنكينز عن «شكل الماء».
وهناك ميزة مهمّة في الشخصية التي يؤديها روكوَل لا نجدها في الشخصيات الأخرى المنافسة وهي أن الدور ينص على ذلك الانتقال المذكور من شخص عنصري يكره الناس خصوصاً «ذوي اللون»، كما يقول، إلى شخص يحاول ردم ذلك الماضي البغيض. الباقون في سلم المنافسة لم يكن مطلوباً منهم فعل انتقالي كهذا يمنحهم هامشاً عريضاً من التبلور.
يتغلب هارلسون على هذا الوضع طبيعياً بإجادته المبهرة لمشاعر الرجل الذي يعلم أنه سيخسر، عاجلاً أم آجلاً، ليس صيته فقط (ذلك الذي أضرّت به بطلة الفيلم) بل أسرته ونفسه. على ذلك، إذا ما كان هناك ترجيح بين الممثلين المتنافسين عن دورين في فيلم واحد، فإن سام روكوَل هو من يحتل المقدّمة بينهما.
هذا المنحى المجسّد في شخصيات تبدأ وتبقى على منوال واحد من الأداء بسبب أن السيناريو لم يطلب منها أكثر من هذا، يعبّر عنه جيداً كريستوفر بلامر في «كل المال في العالم».
إنه أكبر المرشحين سناً وسبق لنا أن شاهدنا مرشحين يوازونه في سنوات العمر والخبرة (آخرهم روبرت دوفال عن «القاضي» سنة 2015) دخلوا وخرجوا من هذه الترشيحات من دون جائزة. كريستوفر يستحق الترشيح لها بسبب تمثيله الجيد، لكن ليس بسبب الأداء الذي يقوم به في فيلم ريدلي سكوت هذا. طبعاً، حقيقة أن سكوت توجه إلى كريستوفر بلامر على آخر رمق بعد فضيحة الممثل كفن سبايسي التي حاول الإنتاج تحاشي تبعاتها على الفيلم، تلعب دوراً في تزكيته ولو من باب لفت الأنظار إليه. هو الوحيد بين منافسيه الذي سبق له أن فاز بالأوسكار وكان ذلك سنة 2010 عن فيلم «مبتدئون» (وفي عداد أوسكار أفضل ممثل مساند أيضاً) أي عندما كان في الثانية والثمانين من عمره. بعد 8 سنوات يودِع الناخبين أداء جيداً بحد ذاته، لكنه أقل من متميّز. دور لا يتطلب منه الكثير من التفاعل لأنه مبنيّ على نبرة عمل واحدة طوال الوقت لا تختلف معطياتها من مطلع الفيلم إلى نهايته.
هذا في الداخل الوجداني للدور، لكن كسلوك ولغة تعبير بالحركة وبالقول لدى بلامر قوّة إقناع خاصة تجعله يبدو الأكثر تناسباً مع شخصية الجد المتغطرس الذي يرفض الإذعان لخاطفي حفيده في الفيلم.

بحث مستفيض
وللأمانة فإنه لا أحد آخر، باستثناء سام روكوَل، لديه تلك الشخصية المكتوبة على نحو يجعله يتلوّن تبعاً لمرحلتين متواليتين. الدور الذي يؤديه ريتشارد جنينكز في «شكل الماء». دائماً ما حفل حضور هذا الممثل بقدرة تعبيرية تصدر من عينيه. تشعان حناناً وألفة لا يصح معهما أن يؤدي أي دور آخر سوى دور الرجل الذي يهب الشخصيات الأخرى الثقة، حتى إذا ما قدّم شخصية مركّبة أو رمادية كما فعل قبل 4 سنوات في «أقتلهم بنعومة». في «شكل الماء» يؤدي شخصية الجار العطوف لبطلة الفيلم سالي هوكينز. شخص يدلف بهدوء صوب خزانة الأسرار كمثليٍّ هادئ. المخرج غويليرمو دل تورو، كما يقول لي في حديث يقترب موعد نشره، «الرجل الطيّب الوحيد في الفيلم». وهذه الطيبة مارسها كذلك في «الزائرة» أمام فائز سليمان وهيام عباس.
وهو كان قد رُشح لأوسكار أفضل ممثل مساند عن دوره في ذلك الفيلم سنة 2007، وحظوظه هنا عالية رغم صعوبة المنافسة. والحال ذاته يمكن أن يقال عن ويليم دافو الذي يزيّن فيلم «فلوريدا بروجكت» بحضوره التلقائي الممتاز.
هو أيضاً من الذين ترددوا على الأوسكار من دون أن يربحوها. في عام 2000 عن دوره المساند في «ظل مصاص الدماء» وقبل ذلك بأربع عشرة سنة عندما لعب دوره في فيلم أوليفر ستون «بلاتون».
قدْر من البحث متفاوت العمق ميّز عمل كل الممثلين في هذا السباق خصوصاً بالنسبة إلى سام روكوَل. لكن البحث الذي أجراه دافو لأجل لعب دوره في «مشروع فلوريدا» لعله الأوسع مجالاً. يؤدي هنا شخصية مالك الفندق الذي ينبري لمساعدة الغير تبعاً لأحوال اقتصادية عاصفة. ليس فقط أن المخرج شون بايكر اختاره كممثل محترف وحيد في فيلمه (مقابل مجموعة من غير المحترفين) بل كان عليه أن يفهم دوافع ذلك الرجل ويصدقها. وكما يقول: «كان عليَّ أيضاً أن أعرف كل شيء عن تفاصيل عمل مدير فندق، وكم نسبة أشعة الشمس التي تتعرّض لها بشرته. لا شيء صغيراً على الفنان».
دافو هو الوحيد الذي استطاع أن يؤدي دور المسيح في فيلم ودور مصاص دماء في فيلم آخر بنفس الجودة.
الحسنات التي يكتنزها كل ممثل من هؤلاء لا تساعدنا في وضع احتمالات عالية الدقة. كلهم ممثلون جيدون ولن يسبب فوز أحدهم امتعاض النقاد أو الجمهور في غالبه. كلهم يستندون إلى مواهب رائعة ويمارسونها ببذل لا يقل روعة. لذلك الحديث عن الاحتمالات لا يخرج عن نطاق التخمين حالياً على الأقل، ومؤشراته تدل على أن سام روكوَل هو المرشح الأبرز إلى الآن. روبرت دافو يأتي ثانياً، وريتشارد جنكينز ثالثاً.

الوسائط المتعددة