ظاهرة مارك زوكربيرغ

الأربعاء - 02 مايو 2018 مـ

ظاهرة مارك زوكربيرغ

  • A
  • A
84    54
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة
هذا المقال لن يحكي مرة أخرى قصة مارك زوكربيرغ، ولا كيف كان عبقرياً عندما اخترع «فيسبوك»، ولا الثروة الطائلة التي حصل عليها وماذا فعل بها وهو في هذه السن الصغيرة، 33 عاماً فقط. ما يهمنا في الأمر هو استدعاؤه من قبل الكونغرس الأميركي لكي يشهد في قضية باتت محيّرة لصناع القانون في الولايات المتحدة وكذلك في العالم أجمع، وهي: كيف تنظّم المجتمعات نتائج التكنولوجيات والممارسات الحديثة خصوصاً أنها باتت كثيرة للغاية.
وفي علم الثورات والتغيير فإن التغيرات الكمية والكثيرة والمتتابعة تؤدي إلى تغييرات نوعية قد يسميها بعضنا ثورة، ويراها بعضنا الآخر مجرد تغييرات «جذرية». الكلمات هنا ليست القضية، ولا ماذا نسمي تغييراً ما، وإنما الأمر دائماً هو ماذا نفعل معه، خصوصاً أنه مع استفحال الظاهرة فإنها سوف تكون دائماً أكثر تعقيداً، وفي هذه الحالة فإنها تكون قابلة للاستغلال الخيِّر أو الشرير. وعندما قدم مارك زوكربيرغ للعالم «فيسبوك» لم يكن يعلم أن ملايين من البشر سوف تلحق به، ولم يكن يعلم نيات هؤلاء الملايين وما فيها من شر أو خير. كل ما كان في الذهن بداية هو علاقات اتصالية بين جماعة من الأصدقاء، وبعد قليل بات الأمر بين جماعة من الأصدقاء وجماعة وجماعات أخرى بعضها داخل الأوطان وبعضها الآخر خارجها. وهكذا بات العالم، وربما الكون في ما بعد، كله داخل صندوق واحد تتراكم فيه المعلومات عن أفراد وبضائع، وتصبح فيه سوق يتم فيها تبادل المصالح والعواطف أيضاً، ومن الكثرة بحيث أصبح أكبر منصة للإعلانات عرفتها البشرية.
وعندما دخل مارك زوكربيرغ إلى ساحتَي مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين لكي يتعرض لنوع من سماع الشهادة، أو التحقيق في شأن الذي جرى بصدد قضية بعينها، فإن الأمر في النهاية بات أكثر شمولاً مما كان متوقعاً وهو ماذا تفعل المجتمعات مع الحداثة الحديثة؟! الحداثة القديمة عمرها قرنان وبعض قرن، وفيها انقلب حال المجتمعات مع الثورة الصناعية الأولى والثانية، ومع التلغراف والراديو والسينما والسيارة والطائرة بات لكل شيء أن يتغير من الطرق إلى الاتصالات، ومن أشكال الحروب إلى أشكال تصفيف الشعر. التنظيم أخذ أشكالاً عدة باتت ثورة هي الأخرى من فرض الضرائب، إلى القوانين الخاصة بحماية الخصوصية. كان الأصل هو أن يتحدث الحبيب إلى المحبوبة حول أنواع مختلفة من الوصال دون أن يتنصت أحد عليهما، ولكن عندما بات الجواسيس وأشكال أخرى من الأشرار يستخدمونها بات واجباً فرض التنصت بحكم القانون أو الوسيلة المنظمة للقوانين العاطفية والجنائية معاً. الحداثة الحديثة فرضت هي الأخرى حقيقة الحاجة إلى التنظيم، فالمرحلة كلها بدأت بالكومبيوتر الشخصي، الكبير، وغير الشخصي بدأ مع الحرب العالمية الثانية مع آلان تورنج، وظل حتى السبعينات من القرن الماضي في حضن شركة مثل «IBM» بغرض عمل الشركات الكبرى وهيئات التجسس العظمى. الكومبيوتر الشخصي كان أمراً آخر تماماً، فهو ملك كل فرد، ويمكن للعباقرة والمجانين من أمثال بيل غيتس وستيفن جوبز أن يحوّلوه إلى ما نراه عليه الآن من «ديسكتوب» إلى «نوتبوك» و«لابتوب» حتى وصل إلى التليفون الخاص بكل فرد على ظهر الكوكب.
مارك زوكربيرغ و«فيسبوك» كانا التطور الطبيعي للكومبيوتر الشخصي في كل أشكاله السابقة واللاحقة، أصبحت الاتصالات تجهيزاً لثورات، والإعلانات سوقاً تلف الكرة الأرضية، والأرباح طائلة، ولكن أحد لا يعرف على وجه التحديد كيف ستُفرض الضرائب عليها، ومن الأصل: هل تُفرض الضرائب على ما هو افتراضي؟ كل ذلك خلق قضايا جديدة لتنظيم الحداثة الحديثة، ولكن ما دفع الرجل إلى سلالم الكونغرس هو أن أداته التي صنعها، وربح منها، يُحتمل أنها كانت سبباً في نتيجة الانتخابات الأميركية 2016. الحرب السيبرانية لم تعد سرّية، ولم تعد أمراً محتملاً يُستخدم للحرب أو لتغيير مسارات الحروب القائمة فعلاً، وإنما باتت تهديداً حالاً وخطيراً للعملية الديمقراطية ليس فقط في الولايات المتحدة، ولكن في البلدان الديمقراطية الأخرى. القصة بدأت من حقيقة أن «فيسبوك» يحتوي على الكثير من المعلومات التي يقدمها البشر عند الاشتراك في أمر يجري على الفيس أو لمجرد فتح حساب عليه تتضمن أسماء وعناوين وأحياناً حسابات مالية. هذه المعلومات كلها يفترض أنها خاضعة لقوانين سرية المعلومات، وعندما يفتح إنسان حساباً فإنه يوقّع على وثيقة خاصة عن طريق نقره بالموافقة على ما يأتي في اتفاقية خاصة بحماية أسراره الشخصية. في الغالبية العظمى من الأحوال فإنه لا أحد يقرأ هذه الاتفاقيات المزعومة التي في حقيقتها لا تمنع من مد أطراف أخرى بهذه المعلومات للاستغلال التجاري والإعلاني.
هنا تحديداً بدأت القصة المثيرة في بريطانيا عندما قامت شركة «كمبريدج أناليتيكا» بالحصول على المعلومات الخاصة بأكثر من 50 مليون أميركياً حدث أنهم يعيشون في تلك الولايات الحرجة التي حسمت الانتخابات الأميركية 2016. لم يكن الأمر محض صدفة وإنما كان بإيعاز من طرف روسي، هل كان الحكومة الروسية أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً أو واحدة من هيئات التجسس في موسكو؟ لا أحد يعرف، ولا أحد يجزم، وكل ما نعرفه أن الشركة البريطانية قامت بتوجيه رسائل إلكترونية إلى العناوين التي حصلت عليها من «فيسبوك» إما أنها تحبّذ انتخاب دونالد ترمب، وإما أنها ترفض انتخاب هيلاري كلينتون، أو الأمرين معاً. لم يعد «فيسبوك» سوقاً أو ساحة للاتصالات أو منصة للإعلانات والروابط الكونية، وإنما أصبح جزءاً أصيلاً من «لعبة الأمم». هذه نقطة حرجة في علاقات القوى الكبرى لم يكن مارك زوكربيرغ يعرف أن اختراعه العجيب سوف يقوده إليها، والتي بدا في حالات أخرى من الانتخابات، واستفتاء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي أنها كانت فاعلة.
في مقدمة خطابه أمام الكونغرس قال مارك زوكربيرغ: «إننا لم نأخذ بما يكفي من نظرة واسعة لمسؤوليتنا، وكان ذلك خطأ عظيماً. لقد كان ذلك خطئي، وأنا آسف. فأنا بدأت (فيسبوك)، وأنا أديره، وأنا المسؤول عما يحدث فيه». البداية فيها الكثير من التواضع، والاستعداد لتحمل المسؤولية، والتعاون مع الكونغرس لتنظيم ما كان يعتقد أنه لا ينظَّم. وفي شهادته قال إن شركته اكتشفت حسابات يُعتقد أنها تابعة لشبكة تجسس روسية تسمي «APT 28»، خلقت أشخاصاً مزيفين يقدمون معلومات مسروقة للصحافيين. وقال: «ما وجدناه هو فاعلون أشرار استخدموا شبكات متناسقة من الحسابات المزيفة للتدخل في الانتخابات، بتشجيع مرشحين بعينهم وقضايا بعينها، وخلق الشكوك في مؤسسات سياسية، أو ببساطة نشر الفوضى».
وصلت الحداثة الحديثة إلى النقطة التي لم يعد فيها ممكناً السكوت، أو تجاهل أنها تلوي عنق الحقائق والقوانين والقواعد التي تنظم الحياة الحديثة، فكيف يحدث ذلك دون تدمير هذه الحياة وتلك الحداثة؟ إنها المعضلة الكبرى في الحياة الإنسانية الآن، وليست فقط معضلة مارك زوكربيرغ.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة