عالم «الجراديغ»

الجمعة - 04 مايو 2018 مـ

عالم «الجراديغ»

  • A
  • A
84    54
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
هذه الكلمة الأعجمية «الجرداغ» جمعها جراديغ، وهي الأكواخ البسيطة أو العشش المشيدة بسعف النخل والحصير. يقيمها العراقيون صيفاً على شواطئ دجلة للاسترواح مساء. كانت من مظاهر الحياة الاجتماعية الأصيلة التي تعطي بغداد أصالتها. كان أصحابها يتشطحون على الشاطئ الرملي، يأكلون ويشربون ويتبادلون الطرائف والأشعار. من عنده صوت جميل يغني أو يدير الفونوغراف، الحاكي، للاستماع لنجوم الطرب على الأسطوانات. سليمة مراد وأم كلثوم وعبد الوهاب، وهات ما عندك.
جاء صدام حسين ومزق تلك الحياة. بنى قصوره على ضفاف النهر، مكان الجراديغ. اختفت تلك الحياة البسيطة التي احتضنت نوعاً من الديمقراطية. فقد كان صغار القوم وكبارهم يقيمون نفس الجراديغ ويختلطون ويجتمعون حول نفس الموائد التي حرمها اليوم المتشددون.
كان لفاضل الجمالي في العهد الملكي جرداغه، وعلى مسافة قصيرة منه أقام رئيس الوزراء نديم الباججي جرداغه وبينهما أقام السيد عبد الودود، معلم الرياضة لمدرسة العوينة جرداغه. وعلى الجانب الآخر أقيم جرداغ موشي أبو حسقيل، صاحب دكان السجاير والتبغ في الشورجة. لا أحد يسأل ما هو مذهبك أو ديانتك. النساء والأولاد يأتون ويذهبون بكل سلام وأمان. الكل آمنون على حاجاتهم وممتلكاتهم. يتركون الجرداغ صباحاً ويعودون مساء فيجدون كل شيء في مكانه.
نبهت الشرطة مدير الناحية وأخبروه بأن رئيس الوزراء قد أقام جرداغه مقابل الدورة. وهذا شيء غير صحيح. رئيس الحكومة قاعد في جرداغ من حصير ويمكن ينام فيه من دون أي حرس. «ممكن يأتي سكارى في الليل ويعملون مكسورة ورئيس الوزراء لا يدري ماذا يفعل بهم». استحصل ضابط الشرطة على أمر بوضع اثنين من الشرطة في حراسة الجرداغ ليلاً لضمان سلامة رئيس الوزراء. وهو ما تم بالفعل. فكان هناك اثنان أو ثلاثة من الشرطة يراقبون الشاطئ كل ليلة.
عاد السيد نديم الباججي ليلاً في ساعة متأخرة. نزل من سيارته وأمر السائق بالانصراف والعودة إلى بيته. ثم سار رئيس الحكومة نحو الجرداغ، وإذا به يواجه هؤلاء النفر من الشرطة يقفون باستعداد لحراسة المكان ويحيونه. استغرب نديم الباججي من أمرهم فسألهم: ما خطبكم وماذا تريدون. وهل حدث حادث؟ فأجابه أحدهم: لا. خير سيدي. ولكن معاون الشرطة كلفنا حراسة هذا المكان. أجابه فوراً: لا ابني. أنا رئيس الحكومة وأنا ما أحتاج حراسة. صرفهم من مسؤوليتهم وعادوا لبيوتهم.
وفي اليوم التالي اتصل بمدير الناحية وأخبره بأنه لا يحتاج إلى أي حرس. ليس هناك أي خطر ولا أحد يفكر في الاعتداء عليّ. إنها حكاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه. عدلت فأمنت ونمت. قال لمدير الناحية: إن وجود هؤلاء الحرس يعكر صفو الحياة الطبيعية على الشاطئ ويزعج الآخرين ويلفت النظر. نحن في بلد آمن وما من حاجة لكل ذلك. وقضى نديم الباججي موسم الصيف. يأوي إلى الجرداغ وهو آمن ولم يسمع أحد بجريمة اقترفت في هذه الجراديغ.
أيام خير وفاتت.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة