خطر ماحق على البشرية التكاتف لصده

الأحد - 15 يوليو 2018 مـ

خطر ماحق على البشرية التكاتف لصده

  • A
  • A
84    54
ماذا تفعل لو علمت أننا نساعد في تكاثر الجراثيم باتباعنا لبرامج علاج كاملة من المفترض أن تقضى عليها؟
من المحبط أن يسير التقدم العلمي في مجال ما طبي ببطء، لكن الأمر لا بد وأن يكون مزعجاً إن علمنا أن لاكتشاف الطبي معين نتائج عكسية. فالنجاح في غزو العدوى البكتيرية في القرن العشرين كان قضية محسومة، غير أنه بات من المتوقع الآن أن تتسبب السلالات المقاومة في وفاة أعداد تفوق في أعدادها ضحايا السرطان بحلول عام 2050. وفيما يجادل البعض في صحة تلك النسب، فإنه من المتفق عليه أن البكتريا باتت تبدي مقاومة للمضادات الحيوية بسرعة تفوق قدرة العلماء على اختراع عقارات جديدة لملاحقتها. لكن في المعركة بين الإنسان والميكروبات، فإن تكتيك فنوننا القتالية الجديدة يعد محدودا رغم ما يضيفه العلماء من اكتشافات جديدة ومن استراتيجيات دقيقة لترسانة أسلحتنا. ويسعى علماء آخرون للوصول إلى أساليب تساعد على الإبطاء من التطور السريع للبكتريا المقاومة.
وفي هذا السياق، وفق نتائج جديدة نشرت مؤخراً، قام أحد المعامل المتخصصة بجمع تلك التكتيكات الجديدة في مواجهة البكتيريا. من المعروف أن البكتيريا تتطور منذ نحو ثلاثة بلايين عام، وهذا هو السبب في أنها تمتلك ترسانة مقاومة ذاتية تكونت لديها مع مرور كل تلك السنين. ولذلك بات بإمكانها التطور بسرعة مذهلة باستخدام الخدع لزيادة تنوعها الجيني، فيما يستطيع بعضها التواصل والتعاون. وقد أفاد علماء البيولوجيين المعنيين بالتطور وبمشكلات المقاومة بأن ذلك سيستغرق وقتا طويلا لمقاومتها وأن الأمر أكبر من مجرد تفادي الوصفات الطبية غير الضرورية أو غير الملائمة.
وفي مقال رأي نشر في ديسمبر (كانون أول) بصحيفة «بلوس بيولوجي» PLOS Biology، أيد عالم البيولوجي المعني بالتطور البكتيري والباحث بجامعة «جورجيا تيك» التكنولوجية، سام براون، المساعي والجهود الجادة الهادفة لإيجاد سبيل لعلاج أكثر أنواع البكتيريا المزمنة انتشاراً والتي تؤدي إلى أمراض الجهاز البولي والنزلات الشعبية والتهاب اللوزتين. ويعمل العلماء بدأب للوصول إلى أساليب بديلة لعلاج عدوى الأمراض المميتة التي تنتقل إلى المرضى في المستشفيات، بحسب سام، لكن إستراتيجية طويلة الأمد لإنقاذ حياة المرضى يجب أن تركز على منع تطور البكتيريا المضادة في المقام الأول، حيث إن غالبية ذلك التطور نتيجة لشيوع تلك الحالات وتكرار طرق العلاج ذاتها. وبدأ آخرون في التحقق من التقليد العتيق المتمثل في مطالبة المريض بخوض المعركة حتى نهايتها، ومن ذلك الاستمرار في تناول العقار لأيام حتى بعد أن يشعر المريض بالشفاء. وبحسب ما أشار العديد من البيولوجيين المعنيين بالتطور، فإن بقيت بعض الجراثيم المقاومة بعد شعور المريض بالتحسن، فإن تناول المزيد من نفس العقار لن يزيل ما تبقى من تلك الجراثيم. وبحسب ما أشار المقال في موقع «ستات نيوز» الطبي، فإن الحكمة الطبية الشائعة (الاستمرار في العقار حتى بعد الشعور بالشفاء) لم تعتمد على الاختبار لكنها باتت مقبولة طبياً إلى أن ظهرت مقاومة البكتيريا واعتُرف بها كتهديد حقيقي.
ربما يتضح أنه من الأفضل أن يقوم نظام المناعة – الذي يتولى التخلص من أي مقاومة بكتيرية – بمنع تكاثر السلالات المقاومة. ولو ثبت صحة الدراسة الحديثة الأخرى، فإن مواصلة تناول المضادات الحيوية بعد الشفاء ربما يضعف من تأثير جهاز المناعة، مما يساعد في ظهور وانتعاش السلالات المقاومة. في هذه الدراسة، استخدم مهندس العلوم الطبية بمعهد ماستشوسيتس للتكنولوجيا، جيمس كولينز وزملاؤه مضاد «سيبرولوكساسين» مع فئران التجارب وأعدوا دراسة تحليلية تفصيلية عن تأثير العقار على عملية الايض (التمثيل الغذائي) في خلايا جسد الفأر. واكتشف العلماء أن العقار قد أثر على العديد من نشاطات خلايا الفأر بأن جاء بنتائج عكسية، تحديداً فيما يخص انتشار البكتيريا، وبحسب كولينز، «هي علاقة تجاهلها الباحثين بدرجة كبيرة». أضاف كولينز، لبناء ترسانة أسلحتنا، سيكون من المفيد لكل من الطبيب والمريض على حد سواء أن يعلم، مثلا، أن المضادات الحيوية يمكنها أن تسكن جهاز المناعة.
ويمكن الاحتفاظ بجهاز المناعة في حالة تأهب قصوى من خلال العمل في كيان بحجم «معمل الجزيئات البيولوجية الأوروبي». وفي ذلك المعمل، قام العالم البيولوجي ناسوس تيباس وزملاؤه بزرع عدد محدود من سلالات البكتيريا المقاومة للعقارات في مواجهة 3000 مركب من المضادات الحيوية المقترنة إما مع بعضها البعض أو مع غيرها من العقارات أو غيرها من المضافات الغذائية. وتضمنت النتيجة التي نشرت في 4 يوليو (حزيران) بصحيفة «نيتشر» بعض المفاجآت الكبيرة في المركبات، منها مضاد حيوي مهجور يسمى «سبكتينومايسين» الذي طور لعلاج مرض السيلان – الذي وجد مقترناً مع مضافات الفانيلين الغذائية. وقد عمل مضاف «الفانيلين» الغذائي، الذي يضفي نكهة للفانيلا، بصورة محدودة على التأثير على المضاد الحيوي لأحد سلالات مرض النزف القولوني.
استطرد تيباس بقوله إن غالبية حالات الاقتران البالغ عددها نحو 500 حالة قد أظهرت بعض تأثير الدعم الثنائي التي عملت بصورة محدودة، مضيفاً أن العديد من العقاقير التي عززت من تأثير المضادات الحيوية في مواجهة سلالة ما قد ساهمت في إضعافها في مواجهة غيرها من السلالات.
مبدئيا، يعتبر هذا ذلك أمراً مبشراً لأنه يستهدف البكتيريا المسببة للمرض وفي نفس الوقت يتجنب الأضرار الجانبية التي قد تلحق بالبكتيريا الصديقة، وهو ما يعرف باسم بكتيريا «ميكروبيوم».
إن بلايين البكتيريا التي يتألف منها الـ«ميكروبيوم» تساعدك على هضم الطعام وعلى أداء غيرها من المهام. وقد أظهرت الدراسات أن المضادات الحيوية يمكنها تعطيل تلك البكتيريا لعام كامل على الأقل، لكن الأسوأ هو أنه بمجرد أن تصبح كائنات «مايكروبيوم» مقاومة للمضادات الحيوية، فبإمكانها أن تمرر ذلك إلى أي عدوى قد تحدث في المستقبل. وعكس الحيوانات، للبكتيريا أسلوب عالي الكفاءة في بناء تنوعها الجيني، وهي العملية التي يطلق عليها «التحويل الجيني الأفقي»، وهناك عدد من الأساليب لحدوث ذلك. أحياناً فيما يشبه الجنس بعض الشيء، تقترن بعض خلايا البكتيريا مع بعضها البعض، لكن بدلا من قيام كل واحدة بإنتاج ذرية جديدة، تقوم البكتيريا بتبادل المادة الجينية مباشرة. وليس من الضروري أن تكون من نفس النوع لكي تفعل ذلك، ولذلك ليس من الضروري أن تفشل في القضاء على عدوي قديمة لكي تربي سلالة بكتيريا تقاوم المضادات الحيوية في جسدك. كذلك فإن تناول برنامج ناجح من المضادات الحيوية من شأنه أن يساعد في بناء جينات تمنح مقاومة في المايكروبيوم بداخل جسدك. ويستطيع المايكروبيوم نقل هذه الجينات إلى بكتيريا خطرة مسببة للأمراض.
وهذا هو السبب الذي جعل تايباس يقول إنه تحمس كثيراً لأن بعض عمليات الاقتران تلك كان لها مفعول قاتل على أحد سلالات البكتيريا، فيما كان التأثير ضئيلا على البعض الآخر، وهو ما يمثل إضافة جديدة إلى ترسانة أسلحة الجنس البشري من دون أن يفرط في شيء لصالح الميكروبات.
*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة