كبرى المؤسسات الدولية تدعو لإصلاح الأنظمة العالمية بدل تدميرها

الخميس - 11 أكتوبر 2018 مـ - رقم العدد [ 14562]

كبرى المؤسسات الدولية تدعو لإصلاح الأنظمة العالمية بدل تدميرها

الدين العالمي سجل أرقاماً قياسية... وحرب الرسوم قد تدمر 17.5 % من حجم التجارة
  • A
  • A
جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)
بالي (إندونيسيا): «الشرق الأوسط»
حذر رؤساء منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أمس، من تأثير سياسات الحماية التجارية على الاقتصاد العالمي، ودعوا لوقف تصعيد الخلافات التجارية الحالية، داعين قادة العالم إلى إصلاح الأنظمة التجارية العالمية بدلاً من السعي إلى تقويضها.
ويشغل احتمال تصعيد أكبر للخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، بال وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية والاقتصاديين الذين يتوافدون علي منتجع بالي لحضور الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد، التي تبدأ اليوم الخميس.
وخفّض صندوق النقد توقعات النمو العالمية للعامين الحالي والمقبل، وقال في تقرير أول من أمس، إن الخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين يؤثر على الاقتصاد العالمي، وإن الأسواق الناشئة تعاني من نقص السيولة والتدفقات الرأسمالية. وقال الصندوق إن الأبحاث الحديثة أظهرت وجود مخاطر للنظام المالي العالمي زادت على مدى الأشهر الستة الماضية، وستسجل زيادة حادة إذا تصاعد الضغط في الأسواق الناشئة، وتدهورت العلاقات التجارية أكثر.
ومن جانبها، دعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد الأربعاء، قادة العالم إلى إصلاح الأنظمة التجارية العالمية بدلاً من السعي إلى تقويضها، في تصريح هو بمثابة توبيخ للسياسيين الذين يعززون الرسوم الجمركية والحمائية.
ويأتي تصريحها في وقت يهدد الخلاف التجاري بين الصين والولايات المتحدة النمو الاقتصادي العالمي؛ حيث حذر خبراء صندوق النقد الدولي من «نقاط ضعف جديدة» في النظام العالمي.
وقالت لاغارد خلال اجتماع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بالي في إندونيسيا: «نحتاج إلى العمل معا من أجل تخفيف التوتر وحل النزاعات التجارية الراهنة. نحتاج إلى أن نتكاتف لإصلاح النظام التجاري الحالي وليس تدميره».
وردد الأمين العام لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أنخيل غوريا الرسالة ذاتها، محذرا من تبعات اقتصادية للتوتر بدأت تظهر. وقال إن «النمو هذه السنة لا يبدو جيدا» كما كان في العام الماضي، موضحا أن «الفرق هو التجارة والتوتر والحمائية وتدابير الرد». وتابع أنه «بعد فترة من الانتعاش الاقتصادي، بدأنا نقوم بهذه الأمور، وسجلنا تباطؤا».

التجارة العالمية مهددة

من جانبها، قالت منظمة التجارة العالمية أمس، إن حربا تجارية واسعة بين الولايات المتحدة والصين، يمكن أن تخفض حجم التجارة العالمية، بنسبة 17.5 في المائة.
وفي حديثه على هامش المؤتمر، قال رئيس المنظمة، روبرتو أزيفيدو، إن الخلاف يمكن أن يقلص الاقتصاد العالمي بنسبة 1.9 في المائة.
وتظهر عملية حسابية أجراها صندوق النقد، أن الصين وأميركا يعانيان من النزاع التجاري؛ حيث تم الإعلان بالفعل عن رسوم جمركية على ما قيمته 360 مليار دولار أميركي من السلع، بالإضافة إلى ذلك ستخفض الرسوم الجمركية على السيارات وقطع غيار السيارات الاقتصاد الأميركي بنسبة 0.9 في المائة، والاقتصاد الصيني بنسبة 0.6 في المائة.
وقال رئيس منظمة التجارة العالمية، إنه منفتح بشأن مطالب من الولايات المتحدة والرئيس الأميركي دونالد ترمب لإصلاح النظام التجاري العالمي، مضيفا أن هناك آراء مختلفة حول القضية من أعضاء المنظمة.

النمو العالمي في خطر

وحضر نحو 32 ألفاً من النخبة المالية العالمية إلى هذا المنتجع الإندونيسي، للمشاركة في أسبوع من المناقشات التي خيمت عليها سياسة «أميركا أولاً» التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي فرض أو هدد بفرض تعريفات جمركية أعلى على السلع المستوردة، لا سيما الصين، وكذلك من حلفاء تقليديين مثل الاتحاد الأوروبي.
وأدى كذلك رفع أسعار الفائدة الأميركية إلى خلق حالة من البلبلة في عملات الأسواق الناشئة؛ حيث تجهد الدول التي اقترضت بكثافة بالدولار لتسديد ديونها بسرعة.
وأفاد التقرير الصادر الأربعاء عن صندوق النقد الدولي حول الاستقرار المالي العالمي، بأن النمو العالمي قد يكون في خطر إذا شهدت الأسواق الناشئة مزيداً من التدهور، أو تصاعدت حدة التوترات التجارية.
وقال الصندوق في تقريره نصف السنوي: «ظهرت نقاط ضعف جديدة، ولم يتم بعد اختبار مرونة النظام المالي العالمي». ويبدو المشاركون في السوق «مرتاحين» إزاء المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن «زيادة مفاجئة في حدة الظروف»؛ مثل ارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاض إمكانية الحصول على الرساميل. وحذر الصندوق من أن فرض مزيد من التعريفات الجمركية والتدابير المضادة لها يمكن أن يؤدي إلى تشديد أكبر للظروف المالية، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي.
وقالت لاغارد خلال الاجتماع، إن الظروف العالمية لا تبعث على الشعور التام بالاكتئاب. وتابعت: «يدفع الوضع للشعور ببعض الإحباط؛ لكنني في الواقع متفائلة لأن هناك رغبة فعلية في تحسين وتطوير العلاقات التجارية العالمية».
ولكن الباحث الأميركي جيفري ساكس تحدث بلهجة أقل دبلوماسية، في تقييمه لإدارة ترمب للعلاقات التجارية الأميركية، منتقداً مزاعم الرئيس المتكررة بأن العجز مع الصين ودول أخرى يعني أن الأميركيين يتعرضون للاستغلال.
وقال ساكس، مدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، خلال ندوة في بالي: «إن العجز التجاري لا يعني بالضرورة وجود غش من قبل الطرف الآخر... هذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول وقف نمو الصين. إنها فكرة رهيبة». وأضاف أن «كل الاتهامات الموجهة ضد الصين... مبالغ فيها إلى حد كبير».
ومع ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة، وإغراء المستثمرين بتحويل أموالهم بحثاً عن عوائد أعلى، قال صندوق النقد إن الاقتصادات الناشئة يجب أن تتخذ خطوات لحماية نفسها من هجرة الأموال. واقترح على سبيل المثال تعزيز احتياطيات العملات الأجنبية التي يمكن استخدامها في الأزمات، وكذلك العمل مع أسواق السندات المحلية لبناء قاعدة مستثمرين محلية، بدلاً من الاعتماد على التمويل من الخارج.

ضغوط متزايدة

وقال الصندوق أمس، إن المخاطر التي واجهها النظام المالي العالمي في الأشهر الستة الأخيرة زادت، وقد تشهد تناميا حادا إذا تصاعدت الضغوط في الأسواق الناشئة، أو تعرضت علاقات التجارة العالمية لمزيد من التدهور.
وأشار الصندوق إلى أنه رغم تدعيم الجهات التنظيمية للنظام المصرفي في العشر سنوات الأخيرة، منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008، فإن أوضاع التيسير المالي ساهمت في تراكم عوامل الضعف، مثل مستويات الدين المرتفعة و«زيادة مفرطة» في تقييمات الأصول.
وأوضح الصندوق في تقريره نصف السنوي للاستقرار المالي العالمي، أن اللوائح المصرفية الجديدة التي تهدف لتفادي خطط الإنقاذ المالي مستقبلا، لم تخضع للاختبار بدرجة كافية. وقال الصندوق: «زادت مخاطر المدى القريب التي تهدد الاستقرار المالي العالمي قليلا، وبشكل عام تبدو أطراف السوق متساهلة إزاء خطر حدوث تشديد حاد في الأوضاع المالية».
وقال توبياس أدريان، مدير أسواق المال في صندوق النقد، إن الصدمات المحتملة للنظام قد تأتي في كثير من الأشكال، مثل زيادة أعلى من المتوقع في التضخم، تؤدي لقفزة حادة في أسعار الفائدة، أو خروج «فوضوي» لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ لكن حدة تأثير مثل هذه الصدمات ستتحدد وفقا لنقاط الضعف، التي تشمل نمو مستويات الدين غير المالي الذي تجاوز الآن 250 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض في معايير تغطية القروض خارج القطاع المصرفي التقليدي، وأسعار الأصول المرتفعة التي قد تشهد تدهورا حادا.
وقال توبياس في مؤتمر صحافي: «إن هذا التفاعل بين تراكم عوامل الضعف وتراجع أسعار الأصول، هو ما قد يؤدي لتداعيات معاكسة على نشاط الاقتصاد الكلي».

مخاطر الديون

وأشار الصندوق أيضا إلى المخاطر الآتية من ارتفاع ديون الشركات، وكثرة الاقتراض الحكومي، وتبعات إجراءات التحفيز المالي، وخطط الإنقاذ الحكومي في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008. ومنذ تقرير الاستقرار الأخير في أبريل (نيسان) الماضي، أصبحت الظروف الاقتصادية العالمية أقل توازناً، مع زيادة الفروق بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
وعلى الرغم من زيادة الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) سعر الفائدة، فإن الظروف المالية «شهدت مزيداً من التيسير» في الولايات المتحدة؛ حيث بقيت قيمة الأسهم مرتفعة. وقال التقرير إن الظروف في أوروبا وغيرها من الاقتصادات المتقدمة الرئيسية بقيت «سهلة نسبيا»، على الرغم من أن المستثمرين قللوا توقعاتهم بشأن قيام البنك المركزي الأوروبي بزيادة أسعار الفائدة.وفي الصين، لا يزال الوضع «مستقراً في الإجمال» على الرغم من أن ديون الشركات باتت أعلى من المستويات التاريخية، والاقتراض الأسري من بين الأعلى على مستوى البلدان الناشئة. وقال فيتور غاسبار، مدير إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد، إن «الصين تدرك ذلك جيدا وتتخذ خطوات لإبطاء تراكم الديون».

الدين العالمي ينمو... وكذلك الأصول العامة

وفي هذا السياق، قال الصندوق أمس، إن مستويات الدين العالمي سجلت رقما قياسيا بلغ 182 تريليون دولار في 2017؛ حيث نمت 50 في المائة في الأعوام العشرة السابقة؛ لكن الصورة تبدو أقل قتامة عند أخذ قيمة الأصول العامة في الحسبان.
وقال الصندوق إن قاعدة بيانات جديدة في تقريره نصف السنوي للمراقبة المالية أظهرت صافي قيمة ضخما للأصول في 31 دولة، يسهم بنسبة 61 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي. وبلغت قيمة الأصول في هذه الدول نحو 101 تريليون دولار بما يعادل مثلي ناتجها المحلي الإجمالي، وشكلت أصول الشركات العامة أكثر من نصف هذه الأصول بقليل، بينما شكلت الموارد الطبيعية مثل النفط أو الثروة المعدنية أقل من النصف بقليل.
وقال تقرير الصندوق: «ما إن تفهم الحكومات حجم وطبيعة الأصول العامة، يمكنها البدء في إدارتها بمزيد من الكفاءة. المكاسب المحتملة من تحسين إدارة الأصول ضخمة».
وقال الصندوق إن مكاسب الإيرادات من الشركات العامة غير المالية والأصول المالية الحكومية، يمكن أن تصل نسبتها إلى ثلاثة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، وهو ما يعادل حصيلة ضريبة الشركات السنوية في الاقتصادات المتقدمة.
وذكر التقرير أستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا، كدول تأخذ خطوات إيجابية لتحسين إدارة الأصول تحسبا لنمو الالتزامات المالية مستقبلا. وقال الصندوق إن الاستخدام الأكثر كفاءة للمباني التي تملكها الحكومات على سبيل المثال، يمكن أن يساعد في تقليص تكاليف الاستئجار، بينما تحولت بريطانيا عن السندات المرتبطة بالتضخم، للحد من مخاطر سعر الفائدة في محفظة سندات بنك إنجلترا المركزي.
Economy

الوسائط المتعددة