الحضارة والسِّحر... عناق في «طنطورة»

الاثنين - 14 يناير 2019 مـ

الحضارة والسِّحر... عناق في «طنطورة»

  • A
  • A
84    54
طارق الشناوي
ناقد سينمائي مصري
«الكلمة نور وبعض الكلمات قبور»، هكذا كتب عبد الرحمن الشرقاوي قبل نحو 70 عاماً، الكلمة ليست فقط قاصرة على حروف الهجاء، اللوحة والنغمة والفيلم والمسرحية وغيرها، هي أيضاً كلمات بأثواب مختلفة، لتمنح الحياة حياة. وهكذا تعيش المملكة العربية السعودية في حراك فني راقٍ وممتع، له مردوده بالإيجاب على أرجاء العالم العربي.
عايشتُ الجمعة الماضية يوماً مكثفاً في كل تفاصيله، الحقيقة أنهم بالضبط 18 ساعة، زمن الرحلة إلى محافظة العلا الأثرية، حتى العودة للقاهرة. تلك المحافظة في المملكة، تعود إلى قرون ما قبل الميلاد، صارت واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية عالمياً، وسُجلت في قائمة «اليونيسكو» قبل عشر سنوات. تجولنا في البيوت والمقابر التي شيدها الأجداد الأوائل، وانبهرنا بقدرة الإنسان في أن يضع في الحياة لمسة من الإبداع، حتى في الجبال والصخور، تظل تشهد على أنه عاش هنا، وكما يقولون: «آثارنا تدل علينا»، هم في الأساس كانوا يمارسون طقوس الحياة العادية في البحث عن مأوى يعيشون فيه، أو قبر يحوي رفاتهم بعد الموت، إلا أن السبيل لتحقيق ذلك يشي بإحساس راقٍ، لقدرة هذا الإنسان على صناعة الجمال.
ما يمنح الحياة عبر كل تلك القرون لتلك الأبنية، هي الومضة الساحرة التي يعيشها الإنسان، وهو يُمسك بالإزميل، لكي ينقش على الحجر كلمة، أو يرسم خطوطاً ترشده لمعرفة الزمان والمكان.
رصدنا كل ذلك في ساعات ما بعد الظهيرة، وقبل الغروب، حتى جاء موعدنا في السابعة مساء مع حفل الموسيقار الكبير عمر خيرت، وذلك جاء ضمن أجندة ممتلئة بالعروض الغنائية والموسيقية، أطلق عليها «شتاء طنطورة». ليلة مع عمر خيرت، هذا الموسيقار الموهوب الذي تجاوز السبعين، يقيم سنوياً كثيراً من الحفلات، ودائماً المشكلة الكُبرى التي تواجه عُشاقه، كيفية العثور على تذكرة، فهي تنفد بمجرد فتح الشباك.
سبق حفل خيرت في الأسابيع الماضية، أكثر من حدث مهم، بدأت بالمطرب العربي الكبير محمد عبده، الذي يزداد تألقاً وحضوراً وشباباً مع الزمن، وبعده الصوت الملائكي ماجدة الرومي، التي صار صوتها يعني في الضمير الجمعي العربي معادلاً موضوعياً للشفافية.
حفل عمر خيرت تم بثه على الهواء، فانتقل من طنطورة إلى أرجاء الدنيا؛ حيث تناقلته أكثر من فضائية. كان عمر يعبر بسلاسة من قطعة موسيقية إلى أخرى، موسيقاه تملؤنا جميعاً بهجة وسعادة ورغبة في الحياة.
استمعت إلى موسيقى أغنية «فيها حاجة حلوة»، ومسلسلَي «الخواجة عبد القادر» و«ضمير أبلة حكمت» وفوازير «جيران الهنا»، وغيرها، وبعضها قد تجاوز ربع قرن؛ إلا أنها لم تفقد أبداً السخونة والحميمية والعصرية.
السعودية تشهد انطلاقة ثقافية مدهشة، بدأ القطار مسرعاً من خلال الهيئة العامة للثقافة، والهيئة العامة للترفيه، كما أن هناك أيضاً المجلس السعودي للأفلام، الذي كنت شاهداً على انطلاقه الدولي من مهرجان «كان»، مايو (أيار) الماضي.
كل الفنون تتوجه أساساً للإنسان، والشعب السعودي يملك حساً فنياً راقياً، فهو المنبع والمصب لكل ما تحقق من إبداع.
أجمل وأروع كلمة تستمع إليها في كل مكان: «اعذرونا لو كان هناك أي تقصير»، في الحقيقة منذ أن ذهبنا لصالة المطار بالقاهرة، صباح الجمعة، حتى عودتنا فجر السبت، لم أجد سوى إدارة تعمل بانضباط واعٍ ومدروس، يحركه في آن واحد عقل يقظ وقلب دافئ، أحالت «شتاء طنطورة» إلى ربيع فني منعش ومشع.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة