القذافي والهجرة غير الشرعية... روائياً

الأحد - 03 فبراير 2019 مـ - رقم العدد [ 14677]

القذافي والهجرة غير الشرعية... روائياً

الواقع الليبي الشائك في «قيام وانهيار الصاد شين» لحمدي أبو جليل
  • A
  • A
جمال القصاص
يلعب حمدي أبو جليل على تقاطعات الجغرافيا والتاريخ في روايته «قيام وانهيار الصاد شين» الصادرة حديثاً عن دار «ميريت» بالقاهرة، ويقدم شكلاً من أشكال المعرفة المستفيضة والعميقة بخبايا المهمش والمسكوت عنه في طوايا هذا التقاطع، متخذاً من الواقع الليبي الشائك والملتبس، خصوصاً في السنوات الأخيرة، جراباً للحكي، حيث تتضافر على مدار الرواية الواقعة في نحو مائتي صفحة خبرة الحياة في هذا الواقع وخبرة الحكي، ويشكلان معاً زمناً روائياً شيقاً، يقف على أطراف من السيرة الذاتية للكاتب نفسه، السارد المركزي في الرواية، تتنوع فيها أصوات الماضي والحاضر والمستقبل، سواء في رسمه لصورة قريته مسقط رأسه على أطراف محافظة الفيوم، التي منها تبدأ نقطة الانطلاق إلى حلمه ومغامرته الروائية، أو في سعيه الخاص المتميز لإيجاد لغة بديلة للسرد، بالدمج بين الفصحي والعامية أحياناً، أو توظيف اللهجات البدوية والعامية الليبية بطريقة حميمية داخل نسيج السرد، فتصبح ضمائره فضاءً لأزمنة محسوسة ومعيشة، بل طازجة كأنها تحدث للتو.
بهذه الحيوية تتحول مغامرة الحكي إلى ترحال في دروب الحياة والزمن، مسكونة بطاقة الخيال والحلم معاً، عبر هم أساسي، يشكل كتلة النص الأساسية، وهي تجربة الهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية إلى السواحل الإيطالية، ومن خلال شخصية البطل السارد المركزي الذي هاجر إلى إيطاليا في تسعينيات القرن الماضي.
إنه قاع الحياة في ليبيا عبر سنوات قضاها الكاتب هناك، وتحت مظلة «الصاد شين» الجنسية التي اخترعها الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وضمت بدو مصر الواقعين على تخوم الصحراء ما بين الحدود الشرقية المصرية الليبية، وحسب الرواية، وفي فصل بعنوان «مصدر الصاد شين» يقول: «بدو مصر مصدر الصاد شين، بل القبائل اللبيبة كلها، وهم على المستوى العرقي نوعان من بدو الشرق وبدو الغرب، وهم يختلفون في اللهجة والزي، والتقاليد والأغاني والموطن الأصلي، البدو الشرقيون هجرات وثقافة ولغة صحاري الشام وشمال الجزيرة العربية، والبدو الغربيون هجرات وثقافة ولغة الصحراء الكبرى من ليبيا حتى المغرب».
ثم يمعن في التفاصيل لافتاً إلى أن بدو الغرب على المستوى الجغرافي نوعان أيضاً، بدو الأطراف، الحدود الصحراوية، وبدو الوادي المزروع، والأدق شبه المزروع، أو الذي يمتد في قلب مصر كأفعى وسط الصحراء من الإسكندرية حتى أسوان.
يتمتع من يملكون صك «الشين صاد» بمكانة خاصة لدى الزعيم، فقبيلته تنتمي إليهم، وكان يعتبرهم ملاذه الأمني المخلص، كما راعت ذلك السلطات في البلاد، ووضعته في الحسبان، وأطاحت به أيضاً... فكلما تداعت واضطربت الظروف والأحوال، كشفت السلطات عن نظرة دونية لهم فتعتبرهم لقطاء هجين، وبحسب الرواية، «مصاروة ممصخين»، ليسوا ليبين أصلاء خلصاً، بل هم مجرد هامش عابر في فضاء وسيع لا مترامي الأطراف. ومن ثم كان لزاماً أن يرتبط قيامهم وصعودهم وانهيارهم بحياة الزعيم نفسه، الذي تروى وتحاك حول أصله ومكان ولادته الكثير من الحكايات، ومن بينها بحسب الرواية «أن الزعيم أصلاً فرنسي، أبوه طيار، سقط من سماوات الحرب العالمية الثانية، على خيمة عرب ليبيين هاملين في الصحراء وتزوج ابنتهم وأنجبت له الزعيم».
وبروح السخرية المرحة التي تغلف الرواية، يعلق الراوي على هذه الرواية، قائلاً: «وبمناسبة السماء التي سقط منها والد الزعيم الفرنسي (المُدعى طبعاً) فإن السماء أساسية في مسيرة الزعيم وديدنه اليومي، أولاً هو لا يحلق إلا في السماء، خلقة كده، في رقبته حنية ناصبة وجهه مباشرة على وجه السماء».
تكسر الرواية صندوق الجغرافيا، وتخترقه من الداخل، معرية ما يدور داخله من تناقضات، وأدوار متعددة خفية، تقاس دائماً بحسب معايير القوة والضعف، وشبكات المصالح، التي تصل إلى حد العمالة والإجرام أحياناً... فالفضاء الليبي مجرد جسر وقنطرة للعبور إلى الحلم العريض الأوسع، حلم الثراء والتمدن والحياة الحرة النظيفة، التي تتراءى على الشاطئ الآخر الإيطالي.
وتكشف من داخل التجربة عن مشاهد وأحداث وتفاصيل موجعة دامية غير إنسانية لما عرف بظاهرة الهجرة الجماعية غير الشرعية لأوروبا، والمصير الذي يلقاه المئات بل الآلاف من الأفارقة المعدمين، الذين يشكلون الهامش الأكبر في هذه الظاهرة، فراراً من الفقر والجوع والقمع، لكنهم يفرون من خوف وجوع إلى خوف وجوع أكثر إيلاماً، فلا حائط يستندون عليه، سوى الصبر وتحمل المذلة والإهانة، من أجل التمسك حتى بقشة صغيرة لبلوغ هذا الحلم، والمخاطرة في سبيله ولو بالسفر في قوارب مطاطية متهالكة تتكدس بالعشرات منهم، معرضة في كل لحظة لأن يثقبها الموج، أو يجرفها إلى مصير مجهول.
لم يسلم الراوي بطل الرواية من هذا الخوف، فتطالعنا صوره المرعبة في معظم الرواية، متجسداً تارة على أنه الخوف الكاشف المضيء، وتارة على أنه الخوف القاتل الغادر... «الإنسان المتحضر خواف، أقول لكم على حقيقة بشرية، الخوف يتناسب طردياً مع تقدم الأمم». إنه خوف الداخل من الخارج، والعكس أيضاً، ولا سبيل لكسره سوى بالحكي، الحكي عن الذات نفسها، وتشابكاتها وعلاقتها بالآخرين، وهم كثر ومن جنسيات شتي... هنا تبرز خصيصة مهمة في هذه الرواية، وهي مقدرة الكاتب على تحويل فعل الحكي بعشوائيته الخام إلى نسق فني، فيبدو كأنه صيرورة حياة ووجود لا يكف عن الحلم والأمل، إنه فعل مقاومة، وسياج لحماية الذات من صورة الخارج الموحشة المرعبة، كما أن هذا الفعل يتحول إلى مظلة من الونس، خصوصاً في لحظات الهدوء من اللهاث اليومي، ومحاولة التخفف من أعباء الرحلة ومعاناتها التي لا تنتهي. أضف إلى ذلك نقطة - أحسبها مهمة - في هذه الرواية - تكمن في المقدرة على بعثرة الحكي، وتعمد اعتباطيته وعشوائيته أحياناً، ثم لمه وتجميعه، على شكل كتل نصية خاطفة، تتناسل وتتشكل بوعي فني شفيف، مشكلة محور إيقاع خاص للرواية، يجذب القارئ، ويشده ليدخل في مناخاتها بتشوق، وكأنه أصبح أحد مفردات المشهد أو اللقطة، أو المأزق السردي الحكائي. ثمة إذن فلسفة للخوف، يسردها الراوي، بطريقته المغوية البارعة في دمج الفصحى بالعامية، أو التضفير بينهما، لخلق مدارات مباغتة لفعل الحكي، تعززها قدرة متميزة على توظيف الكثير من آليات الحكي الشفاهي ابن الوجدان الشعبي، مثل فن النقورة والهزء، والتهكم، والمزاح وخفة الدم، والقفشة... يقول الراوي معلقاً على عشوائية مشروعات الحكومية الليبية لبناء مساكن لم تكتمل في حي «الطيوري» الفقير: «أنا شخصياً كان لي صديق ليبي، حاصل على ثانوية عامة أدبي، ودخل طب، ولما فشل في الطب دخل هندسة».
وجه آخر للصورة يطالعنا في فصل بعنوان «يوميات الخطف» صفحة (96)، مجسداً عمليات الخطف والتثبيت والتقليب، التي أصبحت من الأمور العادية في مدينة سبها، أحد النقاط المركزية لوجود الصاد شين، التي أشيع أن شرطتها وحكومتها متواطئة في ذلك، لكن الدنيا انقلبت وعمت الفوضى بعد خطف زوجة طبيب يوغسلافي كان يعمل في سبها، ما اضطر الزعيم رأس الدولة إلى أن يقوم بنفسه بتنظيم هذه الفوضى: «وجاء الزعيم شخصياً إلى سبها وأقام وقال (أنا اللي هظبطها بروحي)، رأيته يظبطها بروحه، ويوقف السيارات ويفحص الأوراق»؟
تحت هذه المظلة؛ مظلة الخوف وهواجس المغامرة المتشعبة المثقلة بالمفاجآت في مواجهة واقع منتظر، يمثل نوعاً من الخلاص بالحلم والقفز إلى أفق إنساني مفتوح على أشواق البطل الكاتب بأن يصبح مليونيراً، يبرز التاريخ كوعاء زمني للحكي وللجغرافيا أيضاً. وبعد معاناة قاسية من شظف العيش في الواقع الليبي، خصوصاً في مزرعة الأرانب، ومصنع البلوك، ومهن أخرى، امتهنها بمحض الصدفة، يصل البطل إلى ميلانو ليواجه بحلمه صدمة أخرى يجسدها واقع مغاير، يبدو فيه وكأنه سحابة ماء، لا تملك سوى أن تتكسر وتتبخر كل يوم. وما عليه سوى أن ينتظر المزيد من التكسر. فيخاطر بأقصى ما يملك جسداً وروحاً، حتى لا يظل معلقاً في فراغ لا يعرف كيف يحتويه. فتارة نراه صعلوكاً متشرداً يتسول طعامه من الكنائس، وينام في الغابات والحدائق وتحت الكباري، وتارة نراه مقامراً ثرياً، نديماً للبارات والنساء وصالات القمار، يتاجر في المخدرات، وكل ما هو ممنوع، وتجبره صدمة الحياة ومفاجآتها والتشبث بها إلى أن يتحول إلى فتوة بلطجي، يزج به في السجن مرتين، وبحيل الفهلوة واللعب التي يجيدها يتحول من متهم إلى بريء، مؤمناً بأن مصادفة الحياة ليست خالصة لذاتها، فدائما ما تنطوي على آلاعيب مباغتة وقذرة، ما يجعله يبدو أحياناً بطلاً تراجيدياً بامتياز قادراً على خلق مسارات للحكي وتصعيده إلى أقصى الذرى الدرامية من أبسط وأتفه نثريات الحياة.
إن القيمة الجمالية التي أرى أنها تشكل خلاصة قراءتي لهذا الرواية الممتعة، تكمن، في جعلها الحكي فعل معايشة للحياة، وليس مجرد استعارة لها، أو لعباً أجوف على وقائع هامشية مكررة ومعادة.
ليبيا أخبار ليبيا كتب

الوسائط المتعددة