القفز فوق سور مدرسة «أم كلثوم»

الاثنين - 04 فبراير 2019 مـ

القفز فوق سور مدرسة «أم كلثوم»

  • A
  • A
84    54
طارق الشناوي
ناقد سينمائي مصري
لا أتصور أن في تاريخنا الغنائي فنانة حظيت بما حققته أم كلثوم من مكان ومكانة استثنائية، مر أمس 44 عاماً على الرحيل ولا تزال حاضرة بقوة، نردد مع أغانيها «الله يا ست».
مقولة اختلف العرب على كل شيء واتفقوا على أم كلثوم، تجد من يستعيدها حتى الآن، أم كلثوم تجاوزت حدود الجغرافيا فكانت هي الجامعة العربية التي يقف تحت مظلتها الوجدان العربي، رغم اختلاف الأمزجة. هناك أكثر من مقهى في العالم العربي والأوروبي يحمل اسم أم كلثوم، هذه الفلاحة التي ولدت قبل نهاية القرن التاسع عشر بعامين ابنة قرية (طماي الزهايرة) بمحافظة الدقهلية تسلحت في طفولتها بالقرآن الكريم، حفظته ورددته، تثقفت بقراءة الشعر العربي، وأجادت الفرنسية والإنجليزية، وظلت الفلاحة التي تسكنها كما هي بكل القيم والمبادئ التي تربى عليها أهل الريف، لم تنقطع أو تتعالى على جذورها، بل الأصح أن نقول إنها اعتزت كثيراً بأنها الفلاحة أولاً.
تتابعت الأجيال وتغير المذاق، وامتدت بها الحياة نحو 77 عاماً، فلقد كانت أم كلثوم تملك بوصلة الاختيار، فلم تعاند الزمن، بل تجددت هي أيضاً، وأدخلت بعد مرحلة أداء التواشيح الدينية التخت الشرقي، ولم تناصب أبداً الآلات الحديثة مثل الأورغ والغيتار العداء، بل استوعبت كل المفردات العصرية؛ لم تتوقف عند العمالقة محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي، تطلعت إلى الجيل التالي بليغ حمدي ومحمد الموجي وكمال الطويل، أثبتت الأيام كم كان لديها حدس قوي في قراءة مفردات الزمن، حيث إن بين أفضل 10 أغنيات تحقق رواجاً لأم كلثوم في الفضائيات ستكتشف أن 6 تحمل توقيع بليغ، الأيام انحازت أكثر لتلك الأغاني، تحمست له ليقدم لها «حُب إيه» في عام 1960 وكان دون الثلاثين، لتختتم مشوارها الغنائي في 73 أيضاً مع ألحانه «حكم علينا الهوى».
هل ستعيش كل أغنيات أم كلثوم؟ بالتأكيد ماتت أغنيات لأن الأذن لم تعد تستسيغها، إلا أن «ثومة» لديها الكثير مما هو مستقر في الوجدان، وذلك طبقاً للأرقام الموثقة في جمعية المؤلفين والملحنين التي تشير إلى أنها لا تزال تحتل المكانة الأولى رغم تعدد الموجات الغنائية المسموعة والمرئية.
هل ننتظر أم كلثوم أخرى؟ هذا هو الخط الأحمر الممنوع، من تأتي لتذكرنا بأم كلثوم فهذا لا يعني سوى أنها قد بدأت طريق النهاية، كانت المطربة آمال ماهر في البداية هي المشروع الأكثر اكتمالاً لإعادة أم كلثوم، وهكذا أرادها مكتشفها عمار الشريعي، إلا أن الدائرة الجماهيرية، التي تحركت فيها آمال لم تزد عن حدود دار الأوبرا المصرية، وبعد أن تحررت من ارتداء الثوب الكلثومي، انطلقت بشخصية مميزة، وغادرت أسوار الأوبرا فحققت النجاح.
لن يتقبل الجمهور مبدعاً ينتمي لعصر سابق، مثلما نتابعهم في مهرجانات لإعادة التراث فقط لنستعيد الزمن من خلالهم، وهكذا نستمع إليهم عندما يقدمون أغنيات عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم ووديع الصافي وناظم الغزالي وغيرهم، لِنُفْعمَ بشغف الوحشة لاستعادة الأصل. أم كلثوم أصبحت أغانيها منهجاً لمن يريد أن يتعلم أصول الغناء، ولكن بعد ذلك عليه أن يقفز فوق سور المدرسة... لن يذكرنا بأغاني «الست» إلا صوت «الست».g

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة