تحديات الإعلام من صدام إلى {تويتر}

الاثنين - 11 فبراير 2019 مـ - رقم العدد [ 14685]

تحديات الإعلام من صدام إلى {تويتر}

  • A
  • A
عثمان ميرغني
في نوفمبر (تشرين الثاني) 1980 أوفدتني صحيفة «العرب» اللندنية إلى بغداد وكانت الحرب العراقية - الإيرانية في شهرها الثاني والمعارك على أشدها. في المطار وفي الفنادق كان هناك المئات من الصحافيين الآتين لتغطية الأحداث، وحولهم في كل تحركاتهم مجموعات من موظفي الإعلام ورجال الأمن يرصدون كل شيء وكانت مهمتهم سهلة إلى حد ما. فالبلد في حالة حرب، والتحركات لا تتم في الغالب إلا بإذن، أو مع رفقة «رسمية» مرئية أو مخفية، والاتصالات مرصودة. لم تكن هناك هواتف جوالة، ذكية أو غبية، ولا كومبيوترات محمولة، ولا إنترنت بالطبع.
إضافة إلى زيارة جبهة القتال ودخول مدن مثل المحمرة (خرمشهر) التي احتلتها القوات العراقية باكرا، وقصر شيرين، وإلى أطراف عبادان المحاصرة، كانت هناك أجواء ترقب لأول مؤتمر صحافي يعقده صدام حسين منذ بدء الحرب. لم نبلغ بموعد للمؤتمر وأخذونا أحيانا في طلعات توجهت بنا نحو ما كنا نعتقد أنه مكان اللقاء، لكننا انتهينا في مواقع أخرى ضمن برنامج زيارة الجبهات. عندما حل الموعد نقلنا إلى قاعة المؤتمر وكانت معتمة بسبب ستائر بنية اللون تدلت في المكان. حتى الطاولة التي جلس عليها صدام كانت مغطاة بستارة متدلية بنية اللون. ما إن بدأ صدام يتحدث حتى دوت صافرات الإنذار منذرة بغارة إيرانية على بغداد، وقطع التيار الكهربائي بالطبع كما يحدث في هذه الحالات. خاطب صدام الصحافيين بصوت جهوري ضاحك: «خفتم؟ لا تخافون، أنا باق في مكاني معكم».
الحق يقال فقد بقي صدام مكانه، ولم يكن الانتظار طويلا، إذ دوت صافرات الإنذار مجددا بعد دقائق معلنة «زوال الخطر». لا أعرف حتى اليوم ما إذا كانت الغارة الجوية المحتملة حقيقية، أم أن صافرات الإنذار كانت جزءا من برنامج معد ضمن ترتيبات ذلك «المؤتمر العالمي» الذي سجلته الكاميرات الرسمية.
في ذلك الزمن كانت المصادر محدودة، والاعتماد على المصادر الرسمية عاليا، لا سيما في أوقات الحرب. وكانت الرقابة فعالة وقوية، وبالتالي يسهل بث الأخبار الموجهة أو المضللة. لكنني مع ذلك أحسب أن مهمة الصحافيين كانت أسهل في التعامل مع الأخبار وفرزها، مما هي عليه اليوم مع كثرة المصادر وتنوعها، وتدفق الأخبار والشائعات في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وضغوط سباق السرعة للبث في ساحة مكتظة، وجمهور مضغوط بعامل الوقت، ومحاصر بكم هائل من المعلومات والمصادر التي لا يجد زمنا كافيا لها.
هذه الظروف المستجدة أوجدت تحديات جديدة للإعلام والإعلاميين، لا في البحث عن الخبر، بل في التوثق منه، وفي تمحيص مصادره، في حيز زمني ضاغط، وفي ظل منافسة لا ترحم من وسائل متعددة تخوض سباقا محكوما بسرعة الإنترنت، وبجمهور وسائل التواصل الاجتماعي الذي كون سطوة أنهت ما تبقى من مفاهيم الرقابة التقليدية التي حل محلها هاجس الأخبار المفبركة، والمعلومات المضللة. نحن نعيش زمنا أصبحت فيه حرب المعلومات سلاحا أقوى من أي وقت مضى في حروب الدول وأجهزة الاستخبارات. تسريبات ويكيليكس هزت دولا، وفيسبوك قض مضاجع حكومات، وواتساب وتويتر زعزعا أنظمة. وبتنا نسمع اليوم دولا كبرى مثل أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا تشكو من محاولات التأثير على انتخاباتها ومؤسساتها عبر «الأخبار المفبركة» في منصات التواصل الاجتماعي، وتتوعد برد رادع في الحرب الباردة الجديدة.
القواميس مثل أوكسفورد وكولينز و«ديكشنري دوت كوم» اختارت خلال الأعوام الأخيرة كلمات وعبارات مثل «أخبار مفبركة» و«معلومات مضللة» و«عالم ما بعد الحقيقة»، باعتبارها كلمات العام الأكثر تداولا أو تأثيرا. وأمام كل ذلك يواجه الإعلام والإعلاميون تحديات غير مسبوقة، تجعل المرء يستسهل أيام مؤتمر صدام.
- صحافي سوداني

الوسائط المتعددة