اشتراكية الغرب فرصة للشرق

الثلاثاء - 26 فبراير 2019 مـ

اشتراكية الغرب فرصة للشرق

  • A
  • A
84    54
الغربيون الذين ولدوا في عام انهيار الكتلة الشرقية عمرهم الآن ثلاثون عاماً. لا عاشوا تحت الاشتراكية ولا رأوها واقعياً. وهم يعتقدون أنها تقدم حلاً لمشاكل المجتمعات الرأسمالية وشبه الرأسمالية المتقدمة، هذا خطر سياسي أفردت له مجلة «الإيكونوميست» غلاف عددها السابق. وضربت له أمثلة: بيرني ساندرز، الاشتراكي، حصل في الانتخابات الأولية الأميركية على نصيب من أصوات مواليد الألفية (الميلينيالز) أكبر مما حصل عليه دونالد ترمب وهيلاري كلينتون مجتمعين. وثلث الناخبين تحت 24 سنة صوتوا في انتخابات الرئاسة الفرنسية لصالح أقصى اليسار، وفي بريطانيا انحدر حزب العمال بعد توني بلير حتى وصل إلى يدي جيرمي كوربن.
هؤلاء الاشتراكيون الجدد يطرحون حلولاً قديمة فاشلة. ويتلقفها جمهور الألفية ظاناً أنها مبتكرة. ومع هيمنة اليساريين على الأجهزة التعليمية ووسائل الإعلام في الغرب، بينما ينشغل مؤيدو الرأسمالية من المستثمرين والطبقة الوسطى المنتجة بالعمل، فإن قلة قليلة للغاية من مواليد الألفية تسمع صوتاً مختلفاً.
هؤلاء الألفيون، كأجيال سابقة لهم، سيخوضون الحياة العملية، ويفهمون أن اليسار لا يصلح إلا للجدل النظري في الأكاديمية. لكنهم قبل ذلك سيحدثون تأثيراً انتخابياً. أحزاب اليسار تصر عادة على تخفيض سن الانتخاب، لكي يشمل عدداً أكبر من حديثي العهد بالطفولة، الذين لم يعولوا بعد، ولم يخوضوا الحياة العملية بعد. وتجادل تلك الأحزاب اليسارية دوماً بأن خيارات الآخرين هي خيارات «كبار السن»، بينما الشباب، المستقبل، الغد، يقف على ضفتهم هم. وكأن ذا الستين عاماً الآن لم يكن ابن العشرين الذي تظاهر ضد ثاتشر، لكنه أدرك حين دخل إلى الحياة العملية ما فعلته بعبقريتها الاقتصادية من أثر إيجابي على مستقبل بريطانيا. وكأن ذات السبعين الآن لم تكن من الهيبيز قبل نصف قرن، ثم تعلمت في الحياة أنها - بينما كانت تسرح وتمرح في البرية - كان هناك من يعولها في بيت الأسرة.
لكن لو نحينا كل هذا جانباً. هل يؤثر هذا على منطقتنا؟ هل له علاقة بنا؟
الجمهوريات العربية التي اختارت طريق الاشتراكية في العقود السابقة انتهت إلى وضع أسوأ مما كانت عليه في النصف الأول من القرن العشرين، لأنها لم تفهم التاريخ، ولم ترَ مساره. الاشتراكيون والجماعات الدينية في هذه المنطقة كفريقين يقف كل منهما على رصيف متقابل في محطة قطار التاريخ. أنصار الدين السياسي يريدون أن يفجروا طريق القطار، ليرغموا التاريخ على أن يتوقف، تمهيداً لسحبه إلى الوراء. والاشتراكيون يريدون أن يضعوا الجماهير في سلة ثم يشبكونها في القطار بخطاف. هكذا أيتها الجماهير سنلحق فوراً بالدول المتقدمة. نعم، لن نكون داخل القطار. نعم، سنكون مسحولين خلفه. نعم، لن ينجو منا الكثير. لكن - من الناحية النظرية - سنكون مثل الدول المتقدمة. عندنا صندوق اقتراع كما عندهم. وصورة للشعب المسحول تحت الراية الـ…
أي راية تعتقد سيختار الشعب المسحول؟ إيران والعراق ولبنان وسوريا ومصر والجزائر وتونس... تجيبك.
شهر فبراير (شباط) يذكرنا بالثورة الإيرانية، ويذكرنا بأن «الإخوان» أوشكوا على التمكن من مصر. منطقتنا لا يحركها الوعي السياسي المعاصر. بل يحركها التاريخ ونمطه. هناك من يعيش في الماضي ويختار نظاماً للحكم يتوافق بتعديلات بسيطة مع تلك الحقبة. تختلف الأنماط، لكنها جميعاً تتفق على معاداتها لفكرة التنمية القائمة على المسؤولية الفردية، والحرية الاقتصادية الفردية، ثم التئام هؤلاء الأفراد في شركة، ثم تكون القطاع الخاص.
فما المخرج من هذا؟ المخرج أن نجرب الطريق العادي، بقطار يسير إلى الأمام، نكون داخله، ولسنا مسحولين خلفه. أن نجرب تجربتنا بمقتضياتها، مستفيدين من زخم شبابها. هكذا يكون لدينا أمل في الاقتراب ثم اللحاق بالقطار الذي فاتنا. اأن نتحول إلى دول جاذبة للقطاع الخاص. بحزمة من الإجراءات تفتح الباب للاستثمار المحلي والأجنبي، وتحميه، وتقدم له بديلاً مغرياً ضريبياً، كفؤاً مهارياً. متحلياً بفهم مسؤولية كل فرد عن تنمية قدراته المهارية الإنتاجية. التنافس يعلم آداب العمل.
والتطور الاقتصادي مرتبط بالمسؤولية الاقتصادية. بمعادلة بسيطة: لا بد أن تكون قادراً على التكفل بنفسك وبمن تعول. الكفالة ليست حقاً لأي مواطن. الكفالة إجراء استثنائي في ظروف استثنائية. ليس منها أنك تعتقد أن «العيل يأتي بدعمه». حتى وإن صبغتها بصبغة دينية فجعلتها «العيل يأتي برزقه».
التعليم الأكاديمي - على عكس الشائع - ليس قاطرة التغيير الاقتصادي. مهم كغيره في إطار القدر الذي نحتاجه وليس أكثر. السوق تفضل إنساناً متعلماً الحد الأساسي، ثم ماهراً في صنعة، أو برمجة، أو تخصص نحتاجه، عن خريج جامعي في مجال لا تحتاجه السوق، فيتحول إلى عاطل متغطرس آنف عن العمل.
تحالف الاشتراكية والدين السياسي يخوف رأس المال الأجنبي. ودولة الكفالة تزاحم القطاع الخاص كلما رأته يربح في مجال. لكي تقوم هي بأعباء الكفالة. لا بد من توقف هذه الممارسة.
ثم لدينا ملف السلام. وخلق حيز جغرافي مستقبلي، منشغل بالتنمية، ومدافع عنها. منصرف عن التاريخ وصراعاته. المشاكل لا تحل بالانشغال بها. بل بتجاوزها وخلق بديل يشرق فيجذب، بينما يصير حيز الصراع منطفئاً مهجوراً، لا يغري أحداً بالخوض فيه.
هذا الحيز التنموي المهاري سيقدم سوقاً بديلة للهاربين من السترات الصفراء، والسياسات الحمراء، التي يروج لها المتفرغون للتنظير في الغرب. فهل نقتنص الفرصة؟!

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة