لعبة سياسية اسمها: «الكراسي»

الجمعة - 01 مارس 2019 مـ

لعبة سياسية اسمها: «الكراسي»

  • A
  • A
84    54
داود الفرحان
كاتب عراقي
كنا نلعب في طفولتنا لعبة الكراسي، وهي تبدأ بعشرة لاعبين وتسعة كراسي تُنظم على شكل دائرة يقف اللاعبون خارجها، ويتولى شخص تشغيل قطعة موسيقية مسجلة، بينما يدور اللاعبون حول الكراسي طوال عزف الموسيقى. ثم يتوقف العزف فجأة، وعلى كل فرد من اللاعبين أن يجلس على أقرب كرسي إليه، واللاعب العاشر الذي لا يجد كرسياً له يخرج من اللعبة. ويتكرر العزف والدوران مع إبعاد اللاعب الواقف وأحد الكراسي، إلى أن يبقى كرسي واحد ولاعب واحد يكون الفائز في اللعبة.
اللعبة نفسها يلعبها اليابانيون، ولكن بـ«ثقافة» أخرى تعكس منهجهم الاجتماعي؛ فإذا بقي أحد الأطفال اليابانيين بلا كرسي يخسر الجميع، وليس الطفل الواقف وحده، ولذلك على الأطفال العشرة احتضان بعضهم بعضاً ليجلسوا جميعهم على الكراسي التسعة. ثم يبدأون بتقليص عدد الكراسي، مع استمرار الموسيقى أو التصفيق، واحتضان بعضهم بعضاً، من دون أن يبقى أحدهم واقفاً لكيلا يخسر الجميع. وفي النهاية يجلس الجميع على الكرسي الوحيد.
اللعبة العربية تُعلمنا أن يستأثر واحد بالفوز، بينما النسخة اليابانية تعلمهم أن النجاح جماعي، ولا نجاح دون أن أساعد غيري على النجاح. وتعلم الأوروبيون حكمة هذه اللعبة من اليابانيين في إدارة الدولة، بينما تعلم الأميركيون في القارتين الشمالية والجنوبية اللعبة من العرب والأقوام المشابهة. الناخبون والمرشحون في أي بلد أوروبي يجب أن يفوزوا في الشارع لخدمة بلدهم، وتتم عملية تسليم المقاعد وتسلمها بسلاسة واحترام، بينما الأميركيون، مثلنا، يظلون يتبادلون الاتهامات بعد إعلان نتائج الانتخابات، بالتزوير أو الاستبداد أو أي تهمة جاهزة، من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات إلى الانتخابات اللاحقة؛ حيث يستأثر في النهاية واحد بالكرسي الوحيد، ويقف الخاسرون على الرصيف.
من بغداد إلى دمشق إلى بيروت وفلسطين المحتلة والخرطوم وطرابلس بليبيا والجزائر وتونس، إلى كابل ونيودلهي وبانكوك وجاكرتا وكوالالمبور وطهران وأنقرة، ومن مقديشو إلى جيبوتي وأسمرة وجوبا وهراري. وبما أننا دخلنا إلى القارة الأفريقية، فإن بعض الرؤساء من وسط هذه القارة، من أبطال الانقلابات العسكرية والاستئثار بالحكم شبه المؤبد، كانوا غالباً مصدر «تشنيع» وتنكيت وتبكيت في الإعلام الدولي. وكم ضحكنا على جان بيدل بوكاسا رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، وعيدي أمين رئيس أوغندا، وموبوتو سيسي سيكو رئيس الكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً)، وروبرت موغابي رئيس زيمبابوي. وفي الواقع لم ألتق أياً من هؤلاء الرؤساء باستثناء رئيس جمهورية زيمبابوي (رودسيا سابقاً) موغابي، خلال افتتاحه مؤتمر وزراء إعلام حركة عدم الانحياز، الذي عُقد في هراري عام 1988. وهو رجل شيوعي رأسمالي من أثرى الأثرياء في القارة السوداء. وكان أمراً لافتاً أنهم وضعوا له في قاعة المؤتمر كرسياً عالياً مميزاً حتى يراه الجميع. وتنافستُ بعد انتهاء الجلسة الأولى للمؤتمر مع عدد من الصحافيين الروس والهنود للجلوس على ذلك الكرسي، وفقاً لقواعد لعبة الكراسي العربية.
ومن نوادر عيدي أمين أنه كان يهيئ أربعة بريطانيين من العاملين في البلد، لحمله على الأكتاف مع كرسيه، ويفتخر بإذلال الإنجليز. كما كان يقيم سباقات للسيارات وينضم إلى السباق قبل نهايته بقليل، ليربح هو السباق!
ومن قادة حركات التحرير الأفريقية في الستينات، الرئيس الكيني جومو كينياتا. وكان ضمن حركة المقاومة (الماو ماو) التي كانت تقاوم الإنجليز، وقام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بدعمه، ثم اعتقله الإنجليز وأجلسوه في زنزانة انفرادية على مقعد من الإسمنت، ومنعوا عنه شرب الماء لمدة ستة أشهر؛ حيث كان يُسقى فقط الويسكي والخمور، فأصبح مدمناً على الكحول! وقبل ذلك حين كان كينياتا في السلطة، ذهب الدكتور عبد السلام التريكي وزير خارجية النظام الليبي السابق إلى مقابلته، لبحث نقل مقر منظمة الوحدة الأفريقية من أديس أبابا نتيجة علاقات إثيوبيا بإسرائيل: «فدخلتُ على الرئيس، ووجدت أربعة يحملونه على ما يشبه سريراً رئاسياً متنقلاً، ثم أجلسوه على الكرسي الرئاسي، وسألني: هل أنت مبعوث من معمر القذافي؟ قلت له: نعم. قال: هل معك الرسالة؟ قلت: إن الرسالة شفهية. سألني: هل تحمل جواز سفرك؟ قلت له إنه ليس معي؛ بل في الطائرة الخاصة الصغيرة التي أقلتني. شرحت له العلاقات الإثيوبية - الإسرائيلية التي نريد بسببها نقل مقر المنظمة من أديس أبابا. كان رده: تريدون نقل المقر فقط بسبب العلاقات الإثيوبية – الإسرائيلية، مع السلامة أيها السيد الوزير. وتركني واقفاً أمام الكرسي وغادر مكان الاجتماع».
معظم هؤلاء الرؤساء ذهبوا، وآخرهم موغابي في زيمبابوي، الذي سأظل أتذكر أنني جلست على كرسيه ذات يوم، ونزلت عنه من دون انقلاب عسكري!
بعيداً عن الكراسي الدينية، مثل كرسي الفاتيكان أو كرسي الاعتراف الكنسي، فإن عرش إليزابيث ملكة بريطانيا هو اليوم أشهر كرسي سياسي في العالم. وكان كرسي الملك البريطاني إدوارد قد استخدم في تتويج الملوك الإنجليز لمدة ثمانية قرون متصلة. ومن أشهر الكراسي عرش بلقيس ملكة سبأ في معبد الشمس، وعرش الملك الفرعوني توت عنخ آمون الموجود حالياً في المتحف المصري بالقاهرة، وهو من الذهب الخالص. وكرسي الخلفاء في العصر العثماني الذي يُصنع من الذهب أيضاً ويُرصع بالمجوهرات والأحجار الكريمة. وكرسي القيصر الروسي إيفان، وتُطلق عليه تسمية «عرش إيفان الرهيب» وهو من العاج. أما كرسي الأشانتي الذهبي، فهو يخص قبائل الأشانتي في غانا وساحل العاج. وفي الصين يُطلق على كرسي العرش تسمية «عرش التنين»، وهو مخصص للإمبراطور. ومثله كرسي العرش في اليابان الذي يُطلق عليه «عرش الأقحوان». أما ملوك كوريا فيُطلق على كراسيهم اسم «عرش العنقاء». و«عرش الأسد» يخص الدالاي لاما في التبت. إلا أن أغلى الكراسي هو عرش سلطان بروناي حسن بلقية، الذي لا يضاهيه عرش في فخامته وترفه والذهب المستخدم فيه.
هناك مقاعد أخرى لا يتنافس عليها أحد، مثل كرسي الاعتراف في الكنيسة، وكرسي الحلاق، وكرسي طبيب الأسنان، وكرسي الإعدام الكهربائي في الولايات المتحدة.
أعود معكم إلى بداية المقال ولعبة الكراسي. كل هذا الذي يجري في الوطن العربي وأميركا اللاتينية وإيطاليا وفرنسا وفنزويلا وباكستان ودول أخرى «لعبة الكراسي»، التي يفوز فيها واحد لا تعجبه جميع الكراسي في منزله.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة