ليونيد بيرشيدسكي
TT

عهد سياسات الحزبين ولَّى

يطرح ظهور «المجموعة المستقلة» في المملكة المتحدة، حيث انشق 11 نائباً عن سيطرة الحزبين الكبيرين لتشكيل كيان وسطي جديد، تساؤلات مهمة بالنسبة للنظم السياسية القائمة على التحزب المزدوج في غير دولة من دول العالم: هل هذه النظم لا تزال تحظى بالأهمية، والاستدامة، والملاءمة للأغراض المرجوة منها؟ من الممكن أن يكون نظام الحزبين الكبيرين قد عفى عليه الزمن، وبات الأمر في حاجة إلى من يضرب بمطرقة الحزم لضبط الأمور.
ولقد ولدت «المجموعة المستقلة» من رحم الإحباط الذي يستشعره سياسيو تيار الوسط إزاء المطالب التحزبية القائمة. ويجب على مؤيد حزب المحافظين في بريطانيا اليوم أن يناصر دعوى «بريكست» حتى وإن كان لا يؤمن بجدواها، وذلك بغية الحفاظ على الوحدة الحزبية دون تفكك. وإن كان من أنصار حزب العمال، من جهة أخرى، فعليه الوقوف، وربما الموافقة التامة، مع جيريمي كوربين زعيم الحزب وآراء أقصى اليسار السياسية، وكذلك ما يعتبره بعض أعضاء الحزب من الوجهات المعادية للسامية. ولكن ماذا لو كان المرء يعتبر «بريكست» من الدعاوى الحمقاء المحضة، وأن الشيوعية هي حافة الهاوية؟ فهل هناك من مأوى سياسي له في المملكة المتحدة اليوم بعيداً عن الحزب الليبرالي مبتور الصلة بالواقع الراهن في البلاد؟ يمكن لمثل هذه المسألة أن تخلق بداية جديدة هناك، تماماً كما حدث في فرنسا عام 2017 عندما فشل نظام الحزبين المتزمت في الاستجابة لتحديات تيار أقصى اليسار وأقصى اليمين، وتحتم على إيمانويل ماكرون تشكيل تيار الوسط من الصفر والانتقال به إلى الانتصار في معترك الاعتدال السياسي المرير.
وهناك أوجه للتشابه بين الموقف الفرنسي وقتذاك والموقف البريطاني الراهن – ويُشاهد موقف مماثل في الأجواء السياسية الأميركية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة لعام 2020. إذ يجادل البعض في الولايات المتحدة فعلا بأن التشكيل السياسي على الصورة الائتلافية للحزبين الكبيرين، والتي استمرت منذ الثلث الأخير للقرن العشرين، قد بات يتخذ منحى جديداً تماماً. ومن الواضح، ومن الصعب على مؤيد تيار الوسط، من أصحاب الحس السياسي السليم، أن يجد له موئلاً سياسياً يؤويه. ولنذكر هجمات اليسار الشرسة على هوارد شولتز، الديمقراطي المخضرم ومؤسس سلسلة مقاهي ستاربكس الشهيرة، والذي يعاني صعوبة بالغة في الانضمام إلى قائمة مرشحي الحزب الحالية للانتخابات الرئاسية المقبلة، فضلا عن الازدراء الواضح، وربما الكراهية لدى أنصار دونالد ترمب ضد السيناتور السابق جيف فليك المناهض لمعسكر ترمب الجمهوري.
والالتزام بهياكل الأحزاب القائمة من المغريات السياسية بالنسبة لهؤلاء السياسيين. فإنهم ينعمون هناك بأريحية جمع التبرعات السخية، وآليات الحملات الانتخابية المعنية، والدعم القوي من جانب العلامات التجارية الثرية ذات التوجهات الحزبية الراسخة. وفي الولايات المتحدة، لا تزال فكرة أن مرشح «الطرف الثالث» ليس أكثر من «مثير للفساد السياسي» هي فكرة عميقة وقوية. ويحرص الكثيرون على تثبيط هوارد شولتز من الترشح للانتخابات الرئاسية حتى لا يمد يد المساعدة، عن غير قصد بالطبع، إلى دونالد ترمب ومعاونته على الفوز في الجولة القادمة من الانتخابات بطريق سرقة أصوات الديمقراطيين.
أما بالنسبة إلى «المجموعة المستقلة» البريطانية على أقل تقدير، فإن التخاصم مع أفكار ورؤى الحزب السائدة كان قويا بدرجة تكفيهم للانسحاب من «منطقة الراحة والأمان» السياسي. وأعتقد أن مثل هذا التوجه سوف يجد له مثيلا لدى نظام حزبي مزدوج آخر عما قريب.
بحلول نهاية القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، طرح الباحث القانوني أبوت لورانس لويل رأيه بأنه ينبغي وجود حزبين اثنين فقط في مجلس النواب الوطني وذلك «حتى يتسنى للنظام الحكومي البرلماني أن يخرج بنتائج مفيدة». (وبوصفه رئيساً لجامعة هارفارد ذلك الوقت، قال لورانس لويل أيضاً بقبول حصة من الطلاب اليهود ورفض حصة الطلاب السود، الذين كانوا يشاركون أقرانهم البيض المهاجع الجامعية. وكان من الواضح أن الرجل لم يكن يتمتع بحس التنوع الاجتماعي أو السياسي على الإطلاق).
ثم، وفي حقبة الخمسينات من القرن الماضي، زعم عالم الاجتماع الفرنسي موريس دوفيرجيه أن نظم الحزبين السياسيين تحافظ على وجود معسكر المعارضة (وبصفة ضمنية، بقاء الحكومة أيضاً) ضمن محيط الاعتدال السياسي، وقال: «إن طبيعة المعترك السياسي التي تتضمن تبادلاً معيناً بين الأحزاب، واحتمال أن الطرف المعارض باليوم هو الطرف الحاكم بالغد، يحفظ للمعترك السياسي من المبالغة والإفراط الذي قد لا يصبَّ في صالحه في قابل الأيام». ويكفينا قراءة نصف دزينة من تغريدات السيد ترمب السياسية أو الاستماع إلى خطب من خطب السيد كوربين العصماء، كي ندرك مدى الخطأ الذي احتمله رأي المسيو دوفيرجيه.
افترض الأكاديميون ولفترة طويلة، إلى جانب السيد دوفيرجيه، أن النظم الانتخابية القائمة على قاعدة الأولوية بالأسبقية، أو الفوز بأكثرية عدد الأصوات، كمثل ما هو مشاهد في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تفضي بطبيعتها إلى النظام السياسي مزدوج الأحزاب. فإن لم تكن الأصوات والمقاعد موزعة بشكل متناسب، فإن الأحزاب الكبيرة، كما يقول المنطق، تحظى بفرصة ممتازة للفوز بالأغلبية التعددية وتحظى بعدد أكبر من مقاعد البرلمان، وبالتالي فلا معنى لدى السياسيين من الانضمام إلى الأحزاب الصغيرة أو تأييد الناخبين لهذه الأحزاب المهمشة.
لكن، وفي عام 2017. خلص أستاذ العلوم السياسية الاستوني رين تاغبيرا وزميله الأميركي ماثيو شوغارت، إثر استخدام البيانات الواردة عن عدة انتخابات أجريت في 49 دولة، إلى أن عدد الأحزاب المعنية سياسياً التي فازت بمقاعد البرلمان كان متنبأً به بقوة بسبب عاملين اثنين: عدد مقاعد البرلمان، وعدد النواب المنتخبين في كل دائرة انتخابية. والعوامل الأخرى، على سبيل المثال، التنوع الإثني بالبلاد، ليست ذات أهمية كبرى، رغم أنها قد تؤثر على شكل النظام السياسي القائم كذلك.
ووفقا لنموذج تاغبيرا - شوغارت المطروح، على سبيل المثال، لا ينبغي لإسبانيا ونظامها السياسي أن تحظى بحزبين كبيرين فحسب، وهي لم تعد كذلك كما ظهر مؤخرا.
ومن المتوقع، بدرجة كبيرة، بالنسبة إلى كندا وعدد من دول الكاريبي أن تنتهج نفس الخط تماماً. ووفقاً للنموذج المذكور، ينبغي أن يكون هناك 2.94 حزب كبير في برلمان المملكة المتحدة، و2.75 حزب كبير في كونغرس الولايات المتحدة. فلماذا لم يحدث ذلك حتى الآن؟ لا أحد يعرف!

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»