كشمير تتحدى برد شتائها بأكلها المجفف

الأحد - 10 مارس 2019 مـ - رقم العدد [ 14712]

كشمير تتحدى برد شتائها بأكلها المجفف

نافذات تتدلى منها الخضراوات سمة بيوت المدينة التقليدية
  • A
  • A
نيودلهي: براكريتي غوبتا
بعيداً عن كونها ذات جمال مذهل وأخاذ، وجديرة باسمها الذي اشتهرت به «جنة على الأرض»، فإن كشمير تتميز أيضاً بأنها المكان الذي يقسو فيه الشتاء كثيراً بما تنهمر عليها من ثلوج، وتبلغ الحرارة فيه درجات تجمد صفرية حتى لا تكاد ترى نمواً لبرعم أو زهرة في أي موضع من مواضعها الفسيحة.

ولذلك، وخلال هذه الفترات القاسيات، يبرز على السطح أسلوب مختلف للطهي يزيد في تمايز كشمير عن سواها من المدن والأماكن.

وعلى مدى قرون تضرب بعمقها في التاريخ، نجح السكان المحليون في استحداث أساليب تجفيف وحفظ المأكولات من خضراوات، وأعشاب، وأسماك مدخنة، تلك التي وجدت لها مكاناً خاصاً على الأطباق الكشميرية الرائعة ومن أبرزها ما يسمى باللغة المحلية «هوخ شون»، والذي يتم طهيه في أغلب الأحيان رفقة لحم الضأن اللذيذ واليخني الدافئ الجميل طيلة شهور التجمد الشتوية والبرودة القاسية.

التقاليد لا تطويها الأيام وتظل باقية عبر الزمن

يعاني سكان كشمير من توق خاص نحو طبق «هوخ شون» اللذيذ، وإلى جانب الذوق الرفيع، يفضل أهل تلك البلاد تناول الخضراوات المجففة طيلة أيام الشتاء القارص لاعتقادهم بقدرتها على منح أجسادهم الحرارة اللازمة.

وكانت أطباق «هوخ شون» يجري إنتاجها ثم استهلاكها على نحو محلي خالص، حيث تحتوي نافذة كل منزل تواجه الشمس في كشمير على زهور خضراوات مدلاة انتظاراً لجفافها التام قبل تخزينها. غير أن هذه الممارسة التقليدية القديمة باتت تتلاشى ببطء ملحوظ في المواضع الحضرية الحديثة من الإقليم، ولكنها لا تزال مزدهرة بكل حماسة في المناطق الريفية كما كان الأمر معهوداً منذ قرون.

وفي أثناء الصيف، تبدو الخضراوات المدلاة من أغلب النوافذ، ولا سيما التي تنتشر في المناطق الريفية من كشمير، هي من المشاهد الشائعة للمنازل هناك. ويمكن رؤية عناقيد الفلفل الأحمر القاني بلون هو أقرب للدماء، أو اللفت الأقل تلويناً المعلق على النوافذ بطريقة جذابة بخيوط صالحة للتناول. وترى السبانخ الخضراء منتشرة على قطع القماش المفروشة أمام أفنية المنازل، في حين تُعلق الصفوف المتراصة من الباذنجان المقطوع بعناية، والمدلى في عشوائية ظاهرة على حبال الغسيل، إلى جانب الطماطم المشطورة نصفين والموزعة على صحائف الجرائد فوق شراشف معدة خصيصاً لذلك.

وهناك فن خاص لطهي الخضراوات المجففة في كشمير. فبعض منها لا بد من إعادة تشكيله في الماء الساخن، والبعض الآخر لا تلزمه هذه الطريقة في شيء. والقاعدة العامة الحاكمة تتمثل في أنها إما أن تُطهى رفقة بعضها بعضاً، أو مع حساء «الدال» الهندي، أو لحم الضأن، أو الدجاج، أو البيض الذي لا بد أن يُغلى أولاً ثم يُقلى ثانياً قبل تناوله. والخضراوات المجففة لا يتم طهيها أبداً مع الخضراوات الطازجة.

ويقول المؤرخ والشاعر الكشميري ظريف أحمد ظريف متذكراً العهد القديم من تقاليد تجفيف الخضراوات: «إن عملية التجفيف على حقيقتها ليست بمثل السهولة والبساطة التي تبدو عليها في هذه الأيام».

- هذه أكثر الخضراوات المجففة شيوعاً وشعبية هناك

> وانغان هاتشي. وهو الباذنجان المجفف في الحقيقة، وهو يقطع إلى 4 أجزاء غير منفصلة عن بعضها. ثم تُربط إلى حبل يشبه حبل الغسيل وتُترك لتجف بأشعة الشمس. وبعد ذلك يُغمس الباذنجان المجفف في الماء الساخن قبل قليه ثم طهيه مع الحمص الأخضر في المعتاد. ويعد طبق تشوكي وانغان هاتشي (أي الباذنجان المجفف بنكهة التمر الهندي) من الأطباق المفضلة لدى أهل كشمير.

روفانغان هاتشي. هي الطماطم المجففة. حيث تقطع الطماطم الطازجة وتُفرد على الشراشف تحت أشعة الشمس. ويبلغ سعرها نحو 100 روبية لكل كيلوغرام. والكثير من الناس هناك يفضلون طحن الطماطم المجففة وتحويلها إلى مسحوق، إذ تستخدم بعد ذلك في صناعة «الكاري». وتمتاز الطماطم الكشميرية المجففة بطعمها اللاذع اللذيذ. وكلما جرى طهيها في أي منزل من المنازل فإن عبق رائحتها يملأ الأجواء.

أل هاتشي. ومن بين أكثر خضراوات «هوخ شون» شعبية هناك القرع المجفف في الزجاجات. إذ يٌقشر القرع ثم يُقطع في شرائح مستديرة أو شرائط مطولة ثم يُجفف. ويُطلق عليه في كشمير اسم آلاي هاتشي، وهو يُطهى في الغالب مع البصل واللحم، أو مع الفول. كما أنه يُطهى أيضاً مع الطماطم المجففة، أو الباذنجان المجفف، أو كلاهما معاً. ويبلغ سعر القرع المجفف في الزجاجات نحو 150 روبية للكيلو غرام الواحد.

غوغجي آراي أو اللفت المجفف. إن محبة أهل كشمير للفت هي محبة أسطورية. وهم يُطلقون اسم غوغجي آراي على اللفت المجفف المطهو مع لحم الضأن والفاصوليا الحمراء. ولأهل الإقليم طريقة خاصة للغاية في تجفيف اللفت، الذي يُقشر، ثم يُغسل، ثم يُقطع إلى شرائح ثخينة، مع ثقب صغير في منتصف كل شريحة حيث يتم ربطه بخيط ويُعلق ليجف في أشعة الشمس.

ويبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من اللفت الطازج غير المجفف 10 إلى 15 روبية في حين يرتفع السعر إلى 200 روبية للكيلوغرام من اللفت المجفف في الأسواق. ويُغلى اللفت المجفف لبضع دقائق، ثم يُرشح الماء، ثم يُقلى، ثم يُطهى في حساء مع لحم الضأن، أو الدجاج، أو الجبن الأبيض، أو البقول. وبالإضافة إلى ذلك، فالماء المستخدم في غلي اللفت يعتبر علاجاً للأسرة من تساقط الشعر الشائع بين أهل الإقليم خلال فصل الشتاء.

ويعد طبق «شاب ديغ» من أقدم وأشهر أطباق اللحم باللفت المعروفة في كشمير. يُغسل اللفت المخزن تحت سطح الأرض خلال شهور الشتاء، ثم يُقطع إلى قطع صغيرة، ثم يُقلى في زيت الخردل بجانب لحم الضأن، ثم يُمزج مع الفلفل الأحمر، والهيل، وبذور الشمر، والثوم، وشرائح البصل، ومسحوق الكركم، والملح. وتُضاف كميات صغيرة من زيت الخردل المغلي سابقاً، مع كمية كافية من الماء في «شاب ديغ» قبل تغطيته بالعجين. ويُترك الطبق لينضج على النار الهادئة خلال ليالي الشتاء الطويلة.

ويتذكر الحاج محمد صديق والدته عندما كانت تعد لهم طبق «شاب ديغ» في الشتاء، عندما تكون أغلب طرق ومسالك القرية مغلقة بسبب انهمار الثلوج الكثيفة، وكان على أهل القرية استخدام مصابيح الزيت أو فوانيس الكيروسين للإضاءة في المنازل.

وهناك طبق «شتوي» كشميري آخر مميز يُعرف باسم «هوخ غاد»، أو السمك المجفف. إذ تُنزع أحشاء الأسماك الصغيرة وتُنظف جيداً، ثم تُترك معلقة بالخيوط في الهواء لكي تجف. وفور جفافها، تُغمس الأسماك في الماء الساخن لكي يسهل نزع الجلد عنها، ثم تُقلى، وتُطهى بالكامل مع التوابل والطماطم المجففة. ويعد ذلك الطبق من علاجات نزلات البرد في الشتاء. ويُباع الكيلوغرام الواحد منه في الأسواق مقابل 400 روبية بناء على حجم الأسماك.

والسمكة الأكبر حجماً والأثقل وزناً من نوع «بهاري» يجري تجفيفها وحفظها بطريقة مختلفة. إذ تُترك الأسماك غير منزوعة الأحشاء كما هي على الحشائش الأرضية، ويتم تدخينها بواسطة الحشائش المحترقة من حولها، ثم تُترك لتجف تماماً بفعل أشعة الشمس. ثم يُكشط جلد السمكة المتفحم من عملية التدخين قبل طهي السمكة مع الطماطم، والفجل، والخضراوات.

ويصل عمر التخزين لطبق «هوخ غاد» إلى عدة سنوات. وهو من العلاجات النافعة لمرضى الربو، ومن مصادر البروتين الجيدة للغاية.
الهند الأطباق

الوسائط المتعددة