صانع الأحلام وبائعها

الاثنين - 18 مارس 2019 مـ

صانع الأحلام وبائعها

  • A
  • A
84    54
قُدِّر لمؤتمر «بروكسل 3» حول مسألة النازحين السوريين، أن ينعقد بالتزامن مع ذكرى «14 آذار»، ولم يبق من هذا الحراك الشعبي الاستثنائي الذي شهدته الحياة السياسية في لبنان عام 2005 إلا الذكرى!
وأظهر المؤتمر أيضاً الدرك الذي وصلت إليه السياسة في البلاد، بعد مضي 14 عاماً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي عكسه ما حمله الوفد اللبناني إلى بروكسل في الشكل والمضمون معاً: في الشكل، عبر الخلاف الذي رافق تشكيل الوفد، وفي المضمون عبر الخطاب الرسمي الذي أعقب المؤتمر، وأفشى التباين والارتباك اللبناني الحاد بين رئيس الحكومة ووزير خارجيته، بشأن القضايا البنيوية التي تواجه اللبنانيين، وأبرزها معضلة النازحين السوريين في لبنان، والتي قد تكون أخطر ما واجهه منذ نشأته في عام 1920.
إن النتائج التي تمخض عنها المؤتمر بقيت في إطار طلب لبنان العون المالي، ووعود دولية بالمساعدة على احتواء المشكلة دون مقاربة مسبباتها، بما يكشف العجز الدولي، أو عدم الرغبة في التوصل إلى حل سياسي مقبول للنزاع.
فما العوائق التي تقف أمام مقاربات جدية عملية لحل معضلة النزوح السوري؟ هل هي محلية أم إقليمية أم دولية، أم كلها مجتمعة؟
محلياً، فشلت الدولة اللبنانية مرتين، مرة في تنظيم دخول النازحين إلى لبنان ووجودهم فيه، ومرة أخرى في إدارة مسألة عودتهم إلى بلادهم. وسبب هذا الفشل المزدوج خلافات ظاهرها محلي وباطنها له امتدادات إقليمية وحتى دولية.
في الواقع لا يمكننا تجاهل عاملين لتفسير الاصطفاف الراهن حول مسألة النازحين السوريين، سواء لجهة إقامتهم في لبنان أو العودة إلى سوريا. العامل الأول يكمن في الدروس المستقاة من وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والعامل الثاني هو الموقف السياسي من النظام السوري. وفي حالة قد تعتبر استثنائية، يكاد اللبنانيون يجمعون على العامل الأول، ويرون في مسألة النزوح السوري تكراراً لتجربة اللجوء الفلسطيني بكل ما جره على لبنان من ويلات، آخرها الحرب الأهلية، ناهيك عن الخوف اللبناني المزمن من بعبع التوطين، والخلل الذي قد يصيب التوازن الديموغرافي جراءه. العامل الثاني هو أن كليهما يستخدم قضية النازحين كورقة ضغط: الطرف الداعم للنظام والذي قاتل إلى جانبه يستغلها كسبيل لدفع لبنان إلى التطبيع مع نظام الأسد، والطرف الثاني يحمل لواء التعاطف الإنساني مع النازحين، وضرورة تأمين شروط العودة الآمنة لهم، وهو مدرك أن هذا الأمر لا يحصل أقله على المدى القريب، هرباً من التطبيع مع النظام، وتتويج نصر «حزب الله» المزدوج داخلياً وخارجياً بإحياء «وحدة المصير والمسار»!
مها يكن، يبقى أن الحكومة اللبنانية؛ بل الدولة اللبنانية برمتها، أبعد ما تكون عن الدولة السيادية، وهي المستقطبة خارجياً والمكبلة بنزاع إقليمي ذي امتدادات دولية.
إقليمياً، لا تزال دول الإقليم تعيش في وهم المؤامرات، لتعلق عليها كل فشلها، موجهة التهم إلى الغرب، وعلى رأسهم أميركا، بالعمل على تغيير ديموغرافي في المنطقة. البعض يقول إن نظام الأسد لا يريد عودة النازحين؛ لا سيما من لبنان؛ لأنهم يشكلون كتلة وازنة يستطيع تحريكها عندما يشاء. ويقول الخبراء إن بين النازحين ما لا يقل عن 100 ألف رجل أنهوا الخدمة العسكرية، ويستطيعون حمل السلاح إذا طُلب منهم ذلك. ولإيران أيضاً أجندتها في مسألة عودة اللاجئين؛ لا سيما وسط التقارير الكثيرة التي تتحدث عن الجهود المجتمعية الحثيثة التي يبذلها الحرس الثوري الإيراني في الداخل السوري لتشييعه، أقله بالمعنى السياسي.
دولياً، تبدو الأمم المتحدة كمجرد واجهة دون أي مضمون، وبات دورها يقتصر على المجال الإنساني؛ لا سيما بعد الفشل الذريع لمسار جنيف؛ حيث كان النظام هو المأزوم وفي قفص الاتهام، ما سمح بولادة مسار آستانة؛ حيث باتت المعارضة هي المأزومة وفي قفص الاتهام. بالنسبة إلى أميركا؛ لا بد من إدراك نقطة في غاية الأهمية: الأزمة السورية لا تحظى بأولوية عند الإدارة الأميركية، وهي غير معنية بقضية النازحين السوريين إلا عرضاً، كونها ترتبط بمسائل مهمة للولايات المتحدة، أبرزها إيران وروسيا. إن المتابع للحوارات والسجالات السياسية في واشنطن على مستوى الإدارة والحكومة والباحثين، يدرك أن الالتفات إلى القضية السورية بكل تشعباتها قاصر جداً، والمشكلة لا تكمن في عدم قدرة أميركا على إدارة هذا الملف، أو السعي إلى فرض حل له؛ بل بعدم اهتمامها بذلك.
بالنسبة إلى روسيا، فقد طرحت مبادرة بشأن عودة اللاجئين، ولكنها بقيت حبراً على ورق؛ أولاً بسبب عدم وجود غطاء دولي لها، وإصرار المجتمع الدولي على ربط عودة اللاجئين بالحل السياسي، وثانياً لأنها قد تكون لا تحظى برضا حليفيها الإيراني والأسدي لأجندات أخرى لديهما في موضوع النازحين، وثالثاً لأنها عاجزة وحيدة عن تلبية المستلزمات المالية لهذه العودة.
لا شك في أن روسيا تتمنى نجاح مبادرتها؛ لأن هذا الأمر يخفف عنها التهمة التاريخية بمساندة نظام الأسد وتغطية جنوحاته، وتلميع صورتها. لكن خبيثاً قد يقول إن هذه المبادرة ليست إلا طعماً لجر المجتمع الدولي إلى الانخراط في إعادة إعمار سوريا.
الغائب الأكبر يبقى أوروبا، على الرغم من أن موضوع اللاجئين السوريين تحول عندها إلى مشكلة وجودية، وشكل مسألة خلاف عميق بين اليسار واليمين. فهي عجزت عن تغيير موقف حليفها الأميركي من الأزمة السورية، كما عجزت عن كبح الجموح الروسي، وها هي اليوم، وبسبب إنهاكها الاقتصادي، تلاطف إيران محاولة بشتى الطرق الالتفاف على العقوبات الأميركية. ويتهم البعض أوروبا بأنها لا تريد خروج النازحين السوريين من لبنان؛ خوفاً من أن يصلوا إليها، ولذلك تتمسك ومعها المجتمع الدولي بالعودة الآمنة والحل السياسي للأزمة، دون أن تبذل أي جهد يذكر في هذين المجالين.
أمام كل هذه الوقائع، وعلى وقع ما تشي به نتائج مؤتمر بروكسل، ماذا ينتظر لبنان واللبنانيين جراء ذلك؟
يصعب التكهن بإمكانية التوصل إلى حل سياسي يضمن عودة النازحين بالكامل؛ لكن الأكيد أنه لن يتحقق إلا بتوافق أميركي روسي على تسوية ضمن صفقة أكبر بينهما، ولا يزال هذا المسار مستبعداً، ضمن الظروف والمعطيات الإقليمية والدولية الراهنة.
يبقى أن الأكثر ترجيحاً بعد «بروكسل 3»، وعلى المديين القريب والمتوسط، هو استمرار دعم النازحين والمجتمعات المضيفة، مع محاولات خجولة بالضغط باتجاه تأمين ظروف العودة الطوعية والكريمة والآمنة. إلى ذلك، يخشى من عاملين: تردد المجتمع الدولي في تنفيذ كامل وعوده، وغياب قدرة الحكم في لبنان على إدارة الأزمة بسبب الانقسام السياسي اللبناني، وتالياً استمرار التراجع على المستويات كافة؛ لا سيما الاقتصادية والاجتماعية. كما يخشى نشوء توترات بين النازحين أنفسهم وبين اللبنانيين. إلى مخاطر بعيدة الأمد تؤرق اللبنانيين، على رأسها ملامح تغيير ديموغرافي في سوريا ولبنان.
آخر الكلام: عبثٌ البحث عن حلول من الخارج، ولن تستقيم الأمور دون دولة حقيقية لا متخيلة، كائناً من كان يحكم هذه الدولة. دولة تعرف ما تريد، لها رؤية وسياسة واضحة وقادرة على تنفيذها. دون ذلك يبقى مؤتمر بروكسل صانع أحلام، وسياسيو لبنان يبيعونها حقائق.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة