لوبي الفنانين وتغييرات المنطقة

الاثنين - 08 أبريل 2019 مـ

لوبي الفنانين وتغييرات المنطقة

  • A
  • A
84    54
فسر الفنانان خالد أبو النجا وعمرو واكد زيارتهما مع آخرين للقاء عضو في الكونغرس بأنها «لوبي» مشروع في السياسة. واللوبي فعلاً مشروع، لكنه يحمل أيضاً سؤالاً مشروعاً عن الجهة التي ترعاه وتدفع تكاليفه وترتب له.
الصورة النمطية للشخص الإخواني المتدين صورة قديمة جداً، ومضللة. التنظيم السياسي الأوسع والأنشط منذ نهاية التسعينات هو ما صرنا نسميه «التحالف العثماني»، وهو عبارة عن مظلة من القوميين واليسار والإخوان «المتبرجين». أي الإخوان الذين خلعوا عمامة الجماعة الدينية واستبدلوا بها نعتاً آخر: «السابق» مثلاً في حالة عبد المنعم أبو الفتوح، أو «الشباب» في حالة «شباب الإخوان».
ليس كل المنضوين في هذا التحالف (التنظيم) إخواناً متخفين، بل إن بعضهم ليسوا إخواناً فعلاً. هذا التحالف مجتمع حول الفكرة التي انبثقت من كتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري عن «اليهود والصهيونية». الفكرة التي يختلط فيها بقايا البعث الاشتراكي القومي بالبعث الإسلامي، العالمانيين بالثيوقراطيين. على غرار اختلاط الفكرة القومية اليهودية العالمانية بالفكرة الدينية في الحركة الصهيونية. واختلاط قطاع كبير من اليسار اللبناني بـ«حزب الله».
البعث الإسلامي الاشتراكي اجتمع على أيقونة موازية لأيقونة صهيون في الحالة اليهودية، لكنها في الحالة الإسلامية وجدت ضالتها في فكرة الخلافة الإسلامية الحضارية. هذا وجه التشابه الأساسي. وإن كان هناك كثير من أوجه الاختلاف الجوهرية التي تنقض الفكرة، بسبب اختلاف الإسلام كدين عالمي عن اليهودية كدين محلي قومي، وكون المسلمين لهم أوطان، بينما اليهود تشتتوا في الأرض. من الأفضل ترك هذا إلى مقالات قادمة.
كل ما أريد هنا هو الإشارة إلى جوهر التحالف (التنظيم الجديد)، وبالتالي تصويب الفكرة النمطية القديمة عن الإخواني المتدين. وتفسير انضواء تيارات من اليساريين والماركسيين القدماء، الليبراليين الجدد، في هذا التحالف. والتأكيد على أن من فيه - وإن لم يكونوا إخواناً - فهم يعملون بالتنسيق مع الجهة القيادية نفسها، في إسطنبول والدوحة. الجهة التي تنظم «اللوبي» لتحقيق أهداف مرحلية.
هذا الجناح من التحالف (التنظيم)، بعد أن صار «الإخوان» التقليديون عبئاً ثقيلاً عليه، عادوا تكتيكياً لتصدر المشهد. فصرنا نرى وجوههم تبرز مرة أخرى على الإعلام العربي التابع لهذا التحالف، ليس فقط في قناة «العربي» من لندن التي افتتحت خصيصاً له، بل أيضا في قناة «الجزيرة» التي كان «الإخوان» قد رفعوا رايتهم عليها وحرروها من «الدخلاء».
في هذا السياق، استبدلت أيضاً الوجوه التي تحمل رسالة «اللوبي» إلى الكونغرس الأميركي. توارت وفود «الإخوان» الصريحة التي كانت تقوم بالمهمة قبل عام، والتي صارت منبوذة الآن في ظل رئاسة ترمب، وفي ظل انتقادات معاداة السامية التي يواجهها الحزب الديمقراطي، فضلاً عن الرفض الشعبي لها داخل دولها الأصلية، وصعدت وجوه لا يمكن حسابها على الوجه «التقليدي» لـ«الإخوان». الوجوه مختلفة، لكن الخيوط تمسك بها الجهة نفسها. الجهة التي ترتب اللقاءات، والتي تريد أن تعفي نفسها من ثقل «الإخوان».
وجود فنانين في الوفد مهم للغاية لتحقيق هذا الغرض وتثبيته. حتى أهم من «الجماعات الحقوقية» التي صار الرابط بينها وبين النظام القطري معروفاً في دوائر إعلامية غربية، بعضها نشر مؤخراً تحقيقات عن ارتباط تلك الجماعات الحقوقية والشخصيات الأكاديمية بالدوحة.
في بريطانيا مثلاً، يستطيع أي شخص أن يطلع على الجهة التي وفرت الرعاية المالية لوفد اللوردات الذي زار قطر من 26 إلى 29 سبتمبر (أيلول) 2017، عقب قرار «رباعية مكافحة الإرهاب» مقاطعة قطر. حيث تكفلت «المنظمة العربية لحقوق الإنسان» في بريطانيا بدفع التكاليف. المعلومات واردة في سجل مجلس اللوردات الخاص بلورد أحمد، تحت الخانة السابعة «Category 7» الخاصة بالأسفار الخارجية. «المنظمة العربية لحقوق الإنسان» يقدم أعضاؤها أنفسهم في الإعلام، ويقدمهم الإعلام، على أنهم جهة حقوقية محايدة. وربما لقلة خبرتهم لم يعرفوا أن هذه المعلومات تنشر على موقع البرلمان البريطاني في نهاية كل عام، لتربطهم بقطر ربطاً مباشراً بدليل مثبت.
وسائل إعلام أخرى أصدرت تقريراً عن معلقين تقدمهم شبكة «سي إن إن» على أنهم محايدون، رغم أنهم يعملون في جهات قطرية، وموقع «إندبندنت عربي» ترجم هذا التقرير.
السؤال «السياسي» التالي اللازم في التحليل هو؛ لماذا غيرت «الجهة القيادية» التكتيك؟ هل من أسباب ميدانية؟
الإجابات تظهر إلى العلن تباعاً هذه الأيام. لدينا تغيرات واضحة في الموازين السياسية في أنقرة، لن يستمر الشعب التركي في دفع ميزانية مغامرات «الحلف العثماني». ولا يمكن لذلك الحلف أن ينتظر حتى تقع الواقعة، ويفقد حزب العدالة والتنمية السلطة. لأنه وقتها لن يملك أوراق مراوغة. فعليه أن يتحرك من الآن.
لدينا أيضا تحركات في ليبيا، قد تغير موازين القوى هناك. وتفقد «الحلف العثماني» ورقة ضغط مهمة على فرنسا وإيطاليا، وبالتالي أوروبا.
لدينا وضع استنزافي في سوريا، حيث صار منتهى أمل «الحلف العثماني» هناك تحجيم الخسائر.
لقد ضاق الخناق على إسطنبول والدوحة. لقد كلفهم «الإخوان» كثيراً جداً، شعبياً وميدانياً.
السياسة رقعة شطرنج. ليست فيها حركة بلا معنى، وبعيداً عن حملات التخوين وتشويه السمعة التي تنشغل بها جهات إعلامية، فإن زيارة الفنانين إلى الكونغرس مؤشر لإحساس «التحالف العثماني»، ولا سيما قطر، بوطأة الضغط، ودقة الساعة، ولزوم تغيير الأوراق، وإدراك بأن ترتيبات جديدة آتية لا محالة. على الأقل، هكذا قرأتها سياسياً.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة