ليبيا في معركتها ضد الإرهاب

الثلاثاء - 30 أبريل 2019 مـ

ليبيا في معركتها ضد الإرهاب

  • A
  • A
84    54
في ليبيا، تدور معركة كانت مؤجلة. معركة لم تحسم منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011. والتأخر في هذه المعركة يُعزى إلى غياب الجيش الوطني كجهة قوية داعمة وضامنة وحامية لحقوق الناس ومتطلباتهم حينئذ. إنما منذ بداية جمع شتات القوات المسلحة الليبية التي لم تدمر في المنطقة الشرقية من قبل الناتو، نجح اللواء خليفة حفتر (في حينها) ورفاقه في إعادة تجميع الجيش وبناء معسكراته، بعد أن بدأت جماعات الإسلام السياسي وميليشياتها في قتل ضباط الجيش وحتى المتقاعدين منهم.
ولذا تأسس أول حائط صد وجبهة مقاومة فاعلة، ضد الوجود الميليشياوي الإسلاموي، زكتها السلطة التشريعية المتمثلة في البرلمان الليبي المنتخب في أغسطس (آب) 2014.
ليبيا هي آخر معاقل المنظمات الراديكالية المسلحة، بعد أن احتضنتها ما يقارب ثمانية أعوام، بدعم مباشر من دول راعية للإسلام السياسي مثل قطر وتركيا. وأقول «آخر»، لأن الدول التي خضعت لتجربة الإسلام السياسي تعافت منها لاحقاً بعد فشل ذريع منيت به هذه القوى، في مصر والكويت وتونس. الوجود الإسلاموي المسلح فرض واقعاً سياسياً على الأرض الليبية؛ أعضاء في الحكومة والبرلمان يمثلون مصالح الميليشيات المسلحة، ويعززون وجودها حتى أصبحت صاحبة اليد الطولى في إدارة البلاد، وأصبحت ليبيا حاضنة لميليشيات الإسلام السياسي، التي استقوت وانتشرت، وأصبحت لها مراكز نفوذ سياسي وعسكري، مهددة دول الجوار، وأهمها مصر التي عانت أمنياً من تهريب الأسلحة والمسلحين إليها، وتحديداً في شبه جزيرة سيناء التي سمتها «داعش»، «ولاية سيناء». في ليبيا تتضح العلاقة الحيوية الوجودية التي تربط المنظمات المتطرفة المسلحة؛ «القاعدة» مع «جماعة الإخوان المسلمين»، حتى باتت التفرقة بينها صعبة، إن لم تكن مستحيلة، نظراً لتداخل المصالح.
المشير حفتر، شخصية وطنية عسكرية، قاد القوات الليبية في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وله تاريخ معارض لنظام معمر القذافي، الذي كان يهابه شخصياً، لذلك ما أراد له وللجيش أن يبرزوا كقوى وطنية، وضيق عليه وأسره مع مجموعة من الضباط انتهى بهم الأمر للانشقاق والخروج إلى الولايات المتحدة. وعندما برز اسم خليفة حفتر عام 2014 بعد إعلانه «معركة الكرامة»، كان نشاطه يتركز شرق ليبيا، واستطاع خلال سنوات قليلة السيطرة على المنشآت النفطية، وطرد تنظيم «القاعدة» من مدينة بنغازي، ثم عملياته المتواصلة لتطهير الجنوب من عناصر «داعش» والعناصر التشادية التي استعانت بها الحكومة المؤقتة. هذه العمليات جعلت منه شخصية دولية تتصدى للإرهاب، وتحقق انتصارات ملموسة، وتحتاج من القوى الكبرى دعماً سياسياً على أقل تقدير. الأوروبيون منقسمون اليوم حول دخول حفتر إلى طرابلس، كونها معركة الحسم؛ الإيطاليون محتجون، والفرنسيون يؤيدون ويدعمون، حتى الإدارة الأميركية منقسمة حوله، لكن الغلبة دائماً لمن يثبت معاداته للجماعات الإسلامية المتطرفة، لذلك حاز حفتر تأييداً مهماً من إدارة الرئيس الأميركي رونالد ترمب، زاد من قوة موقفه الدولي. والأكيد أن الدول العربية الكبرى؛ السعودية ومصر والإمارات، كان لها دور كبير في القبول الأميركي لتحركات حفتر تجاه طرابلس. ليبيا تخوض المعركة الظاهرة المباشرة في الفصل الأخير من لعب الجماعات الإسلامية دوراً على المسرح السياسي. هذه المعركة هي تصويب لنتيجة سقوط نظام القذافي، التي انتهت إلى بروز رموز الإسلام السياسي واستيلائهم على السلطة في ظل دعم مباشر من قطر وتركيا. ليبيا تخوض حربها ضد دول أجنبية بسطت يدها في الداخل الليبي، وتقاوم هذه الدول وجود الجيش الليبي من خلال الدعاية الكاذبة والإعلام المحرض، وكذلك بتقديم الدعم اللوجستي لكتائب إسلامية تتبع الحكومة المؤقتة لمواجهة الجيش الوطني. تركيا، الحاضن الرئيسي لجماعة «الإخوان المسلمين» في الشتات، لم تتوقف عن إدخال أسلحة خفيفة وثقيلة إلى ليبيا طوال السنوات الماضية، في دعمها المتواصل لميليشيات «الإخوان المسلمين»، وكذلك فعلت قطر بأموالها التي تتبنى التأسلم السياسي في المنطقة. وإيران التي تجد تقارباً في مصالحها مع تركيا وقطر في دعم الجماعات المسلحة لتكريس الانقسام والاحتراب في الدول العربية، ساهمت من خلال «حرسها الثوري» في تدفق السلاح إلى الداخل الليبي حتى قبل أيام حين رست سفينة إيرانية محملة بالأسلحة على شاطئ مصراتة؛ المدينة التي ترعرعت فيها الكتائب المتطرفة.
باختصار ليبيا تضع حلفاءها العرب وأميركا وفرنسا، وحتى روسيا، في مواجهة مع محور إيران وتركيا وقطر. الساحة الليبية تقدم الدرس الأخير الذي يؤكد فشل جماعات الإسلام السياسي في الخروج من ثوب العنف والاستقطاب والعمالة للخارج مثلما فشلت في مصر وتونس، وطردت من الجزائر، وخلعت من السودان.
ليبيا دولة لديها كل عوامل النجاح والتفوق والرفاهية. فهي تمتلك موارد طبيعية وموقعاً جغرافياً متميزاً في مواجهة السوق الأوروبية، ومساحة شاسعة، ونسبة سكان قليلة نسبياً لا تمثل ضغطاً على عجلة الاقتصاد. لكنها حتى اليوم لم تتمتع بما وهبها الله من هبات، لأن أعداء الحياة والاستقرار لم يريدوا لها ذلك.
القاسم المشترك الذي يجمع إيران وتركيا وقطر هو دعم أنظمة هذه الدول للإسلام السياسي؛ سني أو شيعي، وهو الذي أثبت في السنوات الماضية، ليس فقط فشله، بل إنه ضد الحياة المستقرة، الآمنة، والكريمة.

[email protected]

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة