رسالة البغدادي غيّرت حسابات العالم في ليبيا

الاثنين - 06 مايو 2019 مـ

رسالة البغدادي غيّرت حسابات العالم في ليبيا

  • A
  • A
84    54
على رقعة الشرق الأوسط كانت حركة البغدادي من الكمون ذات دلالة. الخليفة الرسمي ظهر على الخط بعد طول غياب، ووجه إلى أتباعه رسالة طويلة يمكن تلخيصها في سطر واحد: «تجهزوا... لدينا مشوار».
وجهة المشوار عُرفت مباشرة. «الإيكونوميست» أفردت ثلاثة مواضيع من عددها الأسبوعي لموقع المعركة الجديد، الصحراء الأفريقية، من مالي وجارتها الجنوبية بوركينا فاسو، وصولاً إلى الصومال في الشرق على مضيق باب المندب. البغدادي خصَّ قائد منطقة الصحراء الكبرى في التنظيم، أبو الوليد الصحراوي، بالثناء والمديح، لكي يوجه عيون المقاتلين وأعناقهم إليه.
العام الماضي فقط، قتل المسلحون الإسلاميون في هذه المنطقة عشرة آلاف شخص، وهو رقم مماثل تقريباً لما قُتل في سوريا والعراق، مع الفارق أن سوريا والعراق موضعا صراع مفتوح، يطّلع عليه العالم ويتابع أخباره يوماً بيوم، أما هذا الرقم في منطقة الصحراء الكبرى فهو المعدل الذي حققه المتطرفون في ظل صراع «على الضيق»، لا يلتفت إليه الإعلام العالمي. في منطقة الساحل الأفريقي فقط قُتل 5 آلاف شخص خلال الأشهر الخمسة الماضية، وفي المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد هُجِّر ما يقرب من مليونين ونصف المليون من أراضيهم.
اهتمام المتطرفين بهذه المنطقة معروف مسبقاً، اللواء مارك هيغز، قائد القوات الأميركية في أفريقيا، يرى أن «داعش» ليست الجماعة الإرهابية الوحيدة التي تمد خيوطها إلى هناك، «(القاعدة) لديها خطة جادة طويلة الأمد بالتوسع إلى منطقة الساحل، وقد حققت فيها نجاحاً حقيقياً». استخباراته تفيد بأن مجمل عدد المسلحين الإسلاميين في المنطقة يصل إلى عشرة آلاف وخمسمائة فرد.
الحلفاء الغربيون أيضاً يتجهزون لهذا الميدان منذ بداية الألفية. استراتيجية «الحرب الطويلة» الأميركية لمكافحة الإرهاب، وقد نُشرت عام 2006، خصّت هذه المنطقة باهتمام مستقبلي لم تمنحه لغيرها. لدى الولايات المتحدة 7 آلاف جندي مقاتل في أفريقيا، ولدى فرنسا 4500 في الساحل، وهناك ألف من كلٍّ من ألمانيا وإيطاليا، بالإضافة إلى قوات أخرى من كندا وإسبانيا وإستونيا والدانمرك. الرقم مجمعاً يفوق عدد القوات الأميركية في أفغانستان. حجم قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي يزيد على 16 ألف شخص، قُتل منهم 195، مما يجعلها أكثر بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام خطورة منذ بدأت عام 2013.
مما يزيد من «صعوبة الحرب» في تلك المنطقة تداخل الدين مع الإثنية في الصراع الميليشياوي، لكي يصنعا خليطاً صعباً في خوض الحرب، عسيراً في إنهائها بالحلول السياسية. المذابح الإثنية السابقة في أفريقيا تذكرة بهذه الحقيقة، لا سيما أن تعقب الميليشيات في هذه المنطقة صعب، لأسباب جغرافية، ولأسباب تنظيمية، حيث إن بعضاً من تلك الميليشيات ينضوي في عُصبة لا تزيد على العشرين شخصاً.
الغرض الأهم لدى أميركا من حرب أفريقيا هو الإرهاب، لكنه ليس الغرض الوحيد عند الأوروبيين. أفريقيا بالنسبة إلى أوروبا تعني مشكلة الهجرة المتدفقة إليها. وهذا يقودنا إلى مربط تلك الخيوط جميعاً... ليبيا.
تحركات البغدادي، بعد أيام من الدخول التركي العلني إلى الصراع في ليبيا، وتصريح حكومة الوفاق الليبية باحتمال «تفعيل اتفاقات دفاع مشترك» معها، تصبُّ كلها في نفس الخانة. على رقعة شطرنج الشرق الأوسط، ليبيا ركن أساس استراتيجي بالنسبة إلى الحلف العثماني. أهمية استراتيجية بحكم الموقع النافذ إلى الصحراء الأفريقية من جهة، وإلى أوروبا من الجهة الأخرى. إلى مصر والسودان من جهة، وإلى تونس والجزائر من الجهة الأخرى.
مع ما يحدث في الجزائر والسودان، ومع خروج البغدادي موجهاً أتباعه شطر صحراء أفريقيا بعد انهيار «خلافته» في سوريا والعراق، ومع رد الفعل المرتبك لدى الحلف العثماني منذ تحرك قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، يبدو أن القوى العالمية - بمبادرة أميركية - أعادت حساباتها بشأن ليبيا، واستوعبت وتفهمت أهمية ما يجري هناك. ليس لمصر والسعودية وحدهما بحكم الجغرافيا عبر صحراء أفريقيا ومضيق باب المندب، بل لمجمل الحرب العالمية على الإرهاب، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، واستقرار دول جنوب الصحراء الأفريقية، وهذا غرض صعب التحقيق بالنظر إلى الوضع السياسي والاجتماعي في تلك الدول.
بالنسبة إلى المواطنين العاديين من أمثالنا، لا يمكن المرور على هذه المعلومات دون استرجاع مشهد ردود الأفعال الإعلامية المواكبة لتحركات الجيش الوطني الليبي. وتفهم الدوافع السياسية للحلف العثماني ذي المصالح السياسية في ليبيا وآلته الإعلامية، وتابعيها الكامنين.
الأهمية الاستراتيجية للحفاظ على أمن ليبيا والحيلولة دون استخدام أراضيها ميداناً للمتطرفين في حربهم المفتوحة على العالم تصعد إلى المقدمة.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة