جردة الثورة

السبت - 18 مايو 2019 مـ

جردة الثورة

  • A
  • A
84    54
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
على كل صاحب مؤسسة صغيرة أو كبيرة، بقالة أو مدرسة أو شركة طيران، أن يقدم، لنفسه أولاً: «جردة حساب» كل عام، بالأرباح والخسائر والهدر والاحتياط. وبناء على أرقام وحقائق هذا العام يرسم خطة العام المقبل، أو مجموعة أعوام.
وقد حان لإيران أن تضع لائحة بالأرباح والخسائر منذ ثورتها إلى الآن. أولاً، في الداخل، وما هو السبب الموجب لأن تصرف على الترسانة السلاحية أضعاف ما تصرف على المدارس والعلم والزراعة وسائر المستقبليات؟ لقد حققت إيران، دون شك، أهدافاً كثيرة في سياساتها التوسعية والعدوانية والمتغطرسة: انتصرت في سوريا، بحيث لم يبق حجر على حجر، ولا بقي سوري في منزله. وانتصرت في اليمن، بحيث لم يبق عمل، أو وظيفة، أو ديار. وانتصرت في العراق، حيث طارت الموصل من يدي رجلها الفريد نوري المالكي، ثم خرب العراق كله لاستعادتها من «داعش». وانتصرت في السعودية، حيث عادت المملكة برمتها، وتحالفت مع أسامة بن لادن وأركانه وورثته. وانتصرت على أميركا، حين هزمت «الشيطان الأكبر» وأغرقت نفسها في حصار قاتل، لا شبيه له إلا الحصار على عراق صدام. وانتصرت في الخليج، عندما ربحت حمد بن جاسم وخسرت الجميع.
النصر الأكبر لإيران حققه محمود أحمدي نجاد، عندما خسر أميركا الجنوبية والشمالية وربح فنزويلا، وتجربتها الباهرة في التقدم والتطور، ومليار «بوليفار» للدولار، وعذراً للسجع.
تعيش إيران في قلة وتضخم وأزمة معيشية دائمة، وتبتهج بالفوز بـ«حماس» في غزة، أفقر بقعة في الأرض، وتفاخر بالعداء للسلطة الفلسطينية والإجماع العالمي على شرعيتها.
لولا الدماء والخراب والتهجير وهدر المال والوقت، لما كان هناك وصف للسياسة الإيرانية، سوى أنها صبيانية ومراهقة؛ لكنها مؤلمة للإيرانيين جداً، وموجعة للشعوب الأخرى، ومضيعة لوقت العالم أجمع. ولن تنفعها القوة النووية أكثر مما نفعت الاتحاد السوفياتي. وسوف تفيدها فنزويلا في صراعها مع أميركا بقدر ما أفادت ألبانيا الصين، في صراعها مع السوفيات.
أهم خدمة تؤديها طهران لنفسها – وللشرق العربي – هي أن تضع، بكل هدوء، جردة حساب. تقرأها جيداً، ثم تسأل شعبها كيف يقوِّمها. شرط أن يجيب بحرية.
عاش الاتحاد السوفياتي سبعين عاماً. وكانت العقود السبعة مليئة بأكبر وأهم المنجزات؛ لكنه أخفق في العثور على مخلصين في الداخل وأصدقاء في الخارج. عثر على خائفين داخلياً وعلى متعاقدين خارجياً. وفي لحظة واحدة، انتهى الخوف في الداخل، وانهار العقد في الخارج.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة