تيريز رافائيل
TT

بريطانيا... معركة القيادة وعقبة «بريكست»

الأمر حقيقي هذه المرة، إذ لم تعلن السيدة تيريزا ماي صراحة أنها سوف تغادر منصبها في رئاسة الوزراء البريطانية؛ لكنها وعدت بتحديد تاريخ المغادرة في أوائل يونيو (حزيران) المقبل.
ويكمن السؤال في الفارق الذي يحدثه تغيير القادة بالنسبة إلى حزب المحافظين الحاكم. بعد منافسة القيادة الفوضوية (وإحداها لا تزال على قدم وساق)، من المرجح للحزب أن ينطلق وراء الزعيم الجديد، وذلك ليجد أن المشكلات القديمة لا تزال قائمة.
عند التفكير في مقدرة السيدة ماي على تحدي قوى الجذب السياسي، فمن الجدير التساؤل إن كانت تعني ذلك حقاً. فلقد تجاوزت كارثة الانتخابات بنجاح، والتصويت على سحب الثقة في البرلمان من قبل الأعضاء المحافظين من حزبها، والهزائم البرلمانية التاريخية، إلى جانب قائمة مطولة من الاستقالات، والتمرد المفتوح من جانب أعضاء مجلس الوزراء، ومحاولة لتغيير قواعد الحزب الراسخة، بهدف إجبارها على الرحيل في وقت مبكر.
ولقد وعدت في السابق بالرحيل عن منصبها قبل ميعاد الانتخابات القادمة، وبعد أن حصل اتفاقها الخاص بـ«بريكست» على الموافقة البرلمانية، سوف تتنحى الآن بصرف النظر عن ذلك.
كان من الممكن دائماً أن تراوغ هاربة من تعهداتها الغامضة السابقة. ولكن الضغوط الرامية إلى التمسك بالالتزام الثابت صارت عصية على المقاومة. ولجنة 1922 من النواب المحافظين المهيمنة على اختيار القيادة، تبدو متأهبة الآن لتغيير القواعد المعمول بها، من أجل السماح بإجراء تصويت ثانٍ على الثقة خلال عام، إن رفضت السيدة ماي الرحيل عن منصبها. وكان أقرب حلفائها في الحكومة، والمستشارون السابقون، يواصلون الضغط عليها من أجل التنحي. ومن المتوقع عقد اجتماع استثنائي لكبار نشطاء حزب المحافظين من مختلف أرجاء البلاد، في 15 يونيو، للتصويت لإبعادها، ولسوف تكون إشارة شديدة الإهانة لشخص السيدة ماي، رغم أنها غير ملزمة لها في شيء.
ويتوقف تاريخ رحيلها الفعلي عن منصبها على الوقت المطلوب من حزب المحافظين لترشيح زعيم جديد (يبدو أن بضعة أسابيع هي الحد الأدنى، بالنظر إلى عضوية الحزب التي من المرجح لها التصويت على المرشحين الجدد المختارين من جانب النواب المحافظين). ومع ذلك، سوف تحصل بريطانيا بالتأكيد على زعيم محافظ جديد، ورئيس جديد للوزراء خلال فصل الصيف الحالي.
ولا يمكن لتوقيت معركة القيادة أن يكون أكثر غرابة. ففي الأسبوع المقبل، يتعين على حزب المحافظين تحمل آلام الانتخابات البرلمانية الجديدة التي لم يريدوها أبداً، وأقسموا على تجاهلها، والتي سوف يقاسون خلالها آلام هزيمة حزب نايجل فاراج المؤيد لـ«بريكست».
وفي أعقاب ذلك الإذلال السياسي، هناك أمر آخر: لقد وعدت السيدة ماي بجلب خطة «بريكست» إلى التصويت البرلماني للمرة الرابعة على التوالي. وهي تأمل أن تساعدها الانتخابات البرلمانية الأوروبية في تركيز الأذهان على تجاوز مرحلة «بريكست». وهذا من الأمور غير المتوقعة. فإذا كان تعريف الجنون، كما يروق لنايجل فاراج القول في خطاباته الانتخابية، هو تكرار الأمر نفسه مراراً انتظاراً للنتيجة نفسها، فما الذي سوف ننتظره من التصويت الرابع على «بريكست» على أي حال؟
ثم يأتي دور دونالد ترمب في الزيارة الرسمية المقررة في أوائل يونيو المقبل، وهو الرئيس المؤيد لـ«بريكست» البريطاني، الذي سوف يواجه رئيسة الوزراء في آخر أيام حكمها. ولسوف يتعين عليها تحمل إشادته بالسيد بوريس جونسون، المنافس على قيادة الحزب، الذي يعد محل إعجاب الرئيس الأميركي، وانتقاداته لقرار بريطانيا بمواصلة الاستثمار مع شركة «هواوي» الصينية، وإهانات أخرى لا شك فيها.
فما الذي يحصل عليه حزب المحافظين في مقابل التخلص من زعيم أوروبي آخر؟ التطهير... ربما. والأمر الوحيد الذي يتفق عليه الأعضاء في هذه المرحلة هو أنه لا بد من رحيل السيدة ماي. وهناك آمال منعقدة بأن يتمكن خليفتها من صياغة سياسات جديدة فيما يتعلق بـ«بريكست»، أو على الأقل توحيد الفصائل المتناحرة حول النسخة المبهمة من «بريكست» التي تم رفضها من قبل.
وهذا يبدو من قبيل الأمنيات البالغة. فإن تغيير الزعيم لن يسفر عن تغيير الموقف والحسابات البرلمانية في شيء، والمجلس التشريعي البريطاني لم يتمكن من الاتفاق على أي مقاربة نحو الأمام حتى اليوم.
ولقد أخفق حزب المحافظين نفسه في ذلك. فهناك عدد كبير من مؤيدي الحزب يرغبون وبشدة في «بريكست» من دون اتفاق أبداً، وهو الأمر الذي مرر البرلمان تشريعاً على تفاديه تماماً، وهناك جزء آخر من الحزب يعتبرون من المهووسين بالفرقة والاختلاف. وحتى مع ذلك، وكما قلت في وقت سابق من الأسبوع الحالي، فإن تلك النتيجة تبدو ممكنة بصورة متزايدة.
وتغيير السيدة ماي لا يغير من حقيقة، مفادها أنه لن تكون هناك اتفاقية تجارية مع أوروبا من أي نوع، من دون إبرام الاتفاقية على إبقاء الحدود الآيرلندية مفتوحة. ولن يسفر الأمر عن سماح الاتحاد الأوروبي المفاجئ لبريطانيا باختيار أي من حريات السوق المشتركة الأربع، التي ترغب المملكة المتحدة في الحصول عليها، وبأي ثمن تحدده.
عندما تنتهي فترة التمديد البريطانية الحالية في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، سوف يظل الخيار كما هو من دون تغيير: تمرير الصفقة التي تشبه كثيراً صفقة الطلاق التي تفاوضت السيدة ماي بشأنها، ومغادرة الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق (الأمر الذي يتطلب تصويتاً جديداً على الأرجح) أو اتخاذ القرار بعد المغادرة على الإطلاق. وبطبيعة الحال، من شأن الاتحاد الأوروبي اتخاذ القرار بمواصلة التمديد، ولكن كيف سيكون موقف الحزب المؤيد لـ«بريكست» بعد قرار كهذا؟
يسمع المرء مراراً وتكراراً من نقاد السيدة ماي، أنها لم تؤمن حقاً بمغادرة الاتحاد الأوروبي، منذ أن صوتت بنفسها قبل ذلك على البقاء ضمن عضوية الاتحاد. ومن خلال اختيار الزعيم المؤمن حقاً بمغادرة الاتحاد الأوروبي، فمن شأن عقبة «بريكست» أن تتلاشى تماماً. وهذا سوف يثبت سريعاً أنه لا أساس له من الصحة. ربما يكون رحيل السيدة ماي حقيقياً، ولكن الواقع قد يكون أكثر قسوة بعد ذلك على الجميع.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»