الكرملين «يقتحم» أوروبا في قطار الحركات القومية الشعبوية

الثلاثاء - 28 مايو 2019 مـ - رقم العدد [ 14791]

الكرملين «يقتحم» أوروبا في قطار الحركات القومية الشعبوية

في ظل اقتناع بأن «الديمقراطيات الغربية» الغارقة في أزمات داخلية لن تكون قادرة على توسيع المواجهة مع روسيا
  • A
  • A
زعماء أحزاب يمينية وشعبوية أوروبية خلال تجمع في ميلانو الإيطالية هذا الشهر (إ.ب.أ)
موسكو: رائد جبر
تفتح صفحة «قضايا» في «الشرق الأوسط»، اليوم الثلاثاء، ملف العلاقة الإشكالية بين روسيا فلاديمير بوتين، وبين الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة، وحتى الفاشية، في عموم القارة الأوروبية.

ويتناول رائد جبر قضية «اقتحام» الكرملين قطار الحركات القومية الشعبوية في أوروبا، على خلفية «الزوبعة» التي أطاحت، أخيراً، زعيم حزب «الحرية» اليميني في النمسا. ويشير إلى اتباع موسكو منهج «التدخل الناعم» في أوروبا والولايات المتحدة للتعامل مع الضغوط الغربية عليها، ومحاولات «تطويق روسيا عسكرياً» عبر توسيع حلف الأطلسي.

أما حازم صاغيّة فيحلل شخصية فلاديمير بوتين، ويكتب عن طريقه إلى السلطة، معتبراً أن المحدّق في نظراته الزائغة يتراءى له أنّ الزعيم الروسي يبيع «بضاعة مغشوشة». فقد يبيع السكّر لمُصاب بالسكّريّ، أو فاكهة طُمر فاسدها تحت طبقة رقيقة من ثمار طازجة. ويتناول حسام عيتاني، موضوع تسويق السياسة العربية لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وكيف احتاجت إلى عقدين من الزمن لتعيد صياغة ذاتها، وتحدد أولوياتها، وتنجح في تسويق نفسها بصور تتناسب مع تعدد الاهتمامات والمصالح والمحاور العربية.



أعادت الزوبعة التي أطاحت، أخيراً، زعيم حزب الحرية اليميني في النمسا، الزخم إلى السجالات الساخنة حول «التدخل الروسي» في العمليات الانتخابية ومجريات الأحداث السياسية في الغرب، ومهما كانت نتيجة التحقيقات الجارية حول الملف، حتى لو ثبتت صحة تأكيدات الكرملين بأن «لا علاقة له» بالسيدة الروسية التي أجرت حوارات مع السياسي الشعبوي كريستيان شتراخه حول الحصول على مكاسب اقتصادية واسعة في مقابل تمويل ودعم حملته الانتخابية، لكن الحدث أعاد التذكير بأصابع روسيا التي تغلغلت كثيراً في الحياة السياسية الداخلية في عشرات البلدان، ما دفع سياسيين بارزين في أوروبا إلى الإعراب عن قلق جدي من تأثيرها في انتخابات البرلمان الأوروبي.

وحمل تنديد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتواطؤ «القوميين ومصالح أجنبية» بهدف «تفكيك أوروبا»، رسالة واضحة في هذا الاتجاه، عبر إشارته إلى أنه «لم يسبق للروس ولبعض الجهات الأخرى أن تدخلوا إلى هذا الحد في تمويل الأحزاب اليمينية ومساعدتها».

إشارة ماكرون لم تقتصر على مخاوف من التدخل الروسي وحده، فهو أشار إلى ستيف بانون «القريب من السلطات الأميركية»، وإلى «رجال أعمال روس»، موضحاً أنه ينبغي على المرء ألا يكون ساذجاً، لكن «لا أخلط بين الدول وبعض الأفراد، حتى إذا كانوا مجموعات ضغط أميركية أو أوليغارشيين روساً، قريبين من الحكومات».

قبل تحذير ماكرون، برزت اتهامات لموسكو عند كل استحقاق انتخابي في أوروبا، في السويد وبلغاريا والجبل الأسود وإيطاليا وبريطانيا، وأخيراً خلال الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في فرنسا. ناهيك عن مسألة التدخل في الولايات المتحدة، وفي البلدان الجارة في الفضاء السوفياتي السابق، وخصوصاً في أوكرانيا. في كل مرة كانت موسكو ترد بقوة وتتحدى الجهات الأوروبية تقديم أدلة تثبت تورط المستوى السياسي الرسمي الروسي في هذه العمليات.

يحمل التحدي الروسي هنا، اقتناعاً بأن «الديمقراطيات الغربية» الغارقة في مشكلات وأزمات داخلية لن تكون قادرة على توسيع المواجهة مع روسيا، وأنها ستصطدم بكثير من المعوقات الداخلية، وجزء كبير منها مرتبط بمسائل بيروقراطية في حال سعت إلى ذلك. وهذا أمر عبّر عنه بوضوح أحد أبرز الخبراء المقربين من الكرملين عندما قال يوماً في بداية الأزمة المرتبطة بالوضع في أوكرانيا: «سنرى من يتعب أولاً!»، في إشارة إلى القناعة بأن مواقع الرئيس فلاديمير بوتين داخلياً أقوى وأكثر ثباتاً من مواقع خصومه في الغرب.

قد تكون تلك القناعة التي انعكست على أداء موسكو عند كل استحقاق كبير واحدة من أسباب اندفاع الكرملين نحو «تأجيج المواجهة» ومحاولة فرض معطيات على أرض الواقع، قبل بدء العمل على مواجهة تداعيات هذا الاندفاع. وبرز ذلك مثلاً في الحرب الروسية – الجورجية عام 2008، إذ هرعت أوروبا إلى موسكو للعب دور للوساطة، بعدما كانت الدبابات الروسية تشق شوارع العاصمة تبليسي، وبات المطلب الأوروبي محصوراً في انسحاب موسكو من الأراضي الجورجية في تجاهل لضخامة التطور الذي أسفر عن اقتطاع إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصاليين عن الجمهورية السوفياتية السابقة.

تكرر الأمر جزئياً في أوكرانيا عام 2014، إذ بات الجهد الدولي الغربي يتجه إلى وقف التدهور في شرق البلاد التي اشتعلت فيها الحرب الأهلية، بينما غدا مصير شبه جزيرة القرم «ليس مطروحاً على أي طاولة تفاوض»، وفق تأكيد الكرملين.

عموماً، لا يمكن تجاهل أن الرئيس فلاديمير بوتين الذي رفع على الدوام شعارات تعبوية داخلية تناهض «التدخل الغربي في شؤون البلدان» و«الحروب الأميركية» في مناطق مختلفة من العالم، خاض خلال 18 سنة بعد توليه الحكم 4 حروب كبرى، 3 منها خارج الأراضي الروسية. ناهيك عن مشاركته بشكل غير مباشر في حروب تمتد من حوض الكاريبي إلى أواسط أفريقيا مروراً بمنطقة آسيا الوسطى.

وفي مقابل التحرك المباشر عسكرياً ودبلوماسياً وفقاً للمقولة التي كرستها «العقيدة السياسية الروسية» التي أقرت في ملامحها الرئيسية منذ العام 2004 وهي تفيد بأن «نتقدم هناك حيث يتراجع الآخرون»، اتبع الكرملين منهج «التدخل الناعم» في أوروبا والولايات المتحدة للتعامل مع «الضغوط الغربية» عليه، ومحاولات «تطويق روسيا عسكرياً» عبر توسيع حلف الأطلسي.

وفي حين كان التدخل العسكري المباشر في جورجيا وأوكرانيا ضرورياً لجهة عرقلة انضمام هاتين الجمهوريتين إلى الأطلسي استناداً إلى وثائق الحلف التي تحرم البلدان التي تواجه حروباً أهلية ونزاعات من الانضمام إليه بشكل كامل، فإن العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا تطلبت الاستناد إلى تدخل من نمط آخر، يقوم على التعبئة الإعلامية والتوجيه وبثّ الأخبار التي تثير أزمات داخلية، وهذا برز بوضوح في تعامل روسيا مع استحقاق الاستفتاء السويدي على الانضمام إلى الأطلسي في 2016 مثلاً. ناهيك عن الاستخدام الأوسع لعنصر القوة الأساسي في الحياة السياسية الداخلية للغرب، المتمثل في الحركات القومية اليمينية المحافظة.

لذلك لم يكن غريباً أن يفتح الكرملين نقاشاً داخلياً منذ العام 2008 حول «آيديولوجية روسيا». تلك الفترة كانت مهمة لأنها أطلقت مرحلة انتقالية عاد بعدها في 2012 الرئيس بوتين إلى السلطة مسلحاً بأدوات مواجهة كبرى للضغوط التي تمارس عليه من جانب الغرب. في تلك الفترة كانت حوارات مراكز البحث ومؤسسات صناعة الرأي العام تناقش بنشاط فكرة أن روسيا عليها أن تضع هويتها الجديدة التي تبتعد عن الشيوعية بقدر، ولا تقترب من الليبرالية الديمقراطية الغربية بأي قدر، هنا برزت فكرة «الدولة المحافظة» التي تحدث عنها بوتين في رسالته السنوية إلى الأمة في العام 2013.

هذا المدخل غدا أساسياً لإقامة أوثق علاقات للكرملين مع القوى اليمينية المحافظة في أوروبا، وصولاً إلى توسيع المروحة لضم القوى الشعبوية الأكثر تطرفاً حتى بعضها المتهم بأنه ينتمي إلى تيارات النازية الجديدة. هذه القوى التي باتت حليفة للكرملين في «نضالها» الداخلي نحو تفكيك الديمقراطية الليبرالية وتفكيك الاتحاد الأوروبي واستعادة فكرة الدولة القومية.

ولم تمر سنتان بعد ذلك حتى كانت روسيا تستضيف في فبراير (شباط) 2015 أوسع تجمع للقوى والأحزاب اليمينية الشعبوية، الذي عقد مؤتمراً لتنسيق المواقف ووضع خطط لتحرك مشترك لاحق. ومن مفارقات التاريخ أن هذا المؤتمر انعقد في سان بطرسبورغ التي واجهت أهوال النازية في الحرب العالمية الثانية. وفشلت جهود أحزاب وشخصيات روسية في عرقلة عقد المؤتمر الذي حمل عنوان «المنتدى الروسي الدولي للقوى المحافظة»، مثلما لم تنجح مجموعات صغيرة نظّمت احتجاجات أثناء انعقاده في لفت انتباه الرأي العام؛ خصوصاً أن نشاطها قوبل بتحرُّك حازم لأجهزة الشرطة، بحجّة عدم الحصول على ترخيص مسبق للاحتجاج. وعندما سأل صحافي غربي مسؤولاً روسياً بارزاً: «كيف تُعلنون أنكم تحاربون فاشيين في أوكرانيا وتستقبلون مؤتمراً لفاشيّي أوروبا؟»، أجاب بما مفاده: «لماذا تحرِّمون علينا ما تحلّلونه لأنفسكم؟».

لم يحضر الكرملين رسمياً المؤتمر، واكتفى بحضور عدد من الشخصيات النيابية والسياسية البارزة، مثل السياسي ديمتري روغوزين، وهو أحد رموز حركة «رودينا» (الوطن) القومية الروسية، وكان ممثل روسيا لدى حلف «الناتو» لسنوات، لكن عبارات «ملهمة» للرئيس بوتين غطت جدران القاعة التي اجتمع فيها خليط ضم عشرات من ممثلي الأحزاب الأوروبية القومية، بينهم مجموعة «أورو روس» التي تنادي بأوروبا تمتد من جبل طارق إلى فلادي فوستوك في أقصى شرق روسيا، وحزب القوة الجديدة (إيطاليا)، و«تحالف من أجل السلام والحرية» (بريطانيا)، وحزب الاستقلال الوطني (فنلندا)، والحزب القومي الديمقراطي (إسبانيا)، و«الفجر الذهبي» (اليونان)، و«القوة الجديدة» (إيطاليا)، و«الوحدة» (بريطانيا)، وحركة «أتاكا» (بلغاريا)، و«رابطة الشمال» (إيطاليا)، وعشرات غيرهم من كل البلدان الأوروبية تقريباً. وبعد إعلان اللجنة الدائمة المشتركة للتنسيق، غدا التحرك اللاحق أكثر سهولة لروسيا في أوساط هذه الأحزاب. وتم عقد المؤتمر التالي في 2017 في فندق مرموق تملكه الدولة في قلب العاصمة الروسية.
الاتحاد الاوروبي روسيا الاتحاد الأوروبي

الوسائط المتعددة