دروس من ريغان في أزمة إيران

الاثنين - 03 يونيو 2019 مـ

دروس من ريغان في أزمة إيران

  • A
  • A
84    54
حين جاء الرئيس الأمركي الأسبق رونالد ريغان إلى الحكم لم تكن أميركا كالتي نعرفها. خرجت من فترة الستينات مرهقة معنوياً بسبب حرب فيتنام، والصراع الداخلي الذي واكبها. وخرج الحزب الجمهوري بالذات أكثر إرهاقاً بسبب فضيحة ووترغيت. قلّص الكونغرس الميزانية العسكرية. وكان خيار الشعب الأميركي رئيساً رمادياً، حلو الكلام، هو الرئيس جيمي كارتر، الذي تولى منصبه عام 1976.
جاء كارتر الذي «يمدحه الخصوم»، فتجرأت إيران على اختطاف رهائن أميركيين دون خوف من عقاب. الأزمة ذكّرت الأميركيين بهذا الرجل «اليميني المتشدد» الذي خوّفهم الإعلام منه من قبل فخسر تصويت حزبه الجمهوري نفسه عام 1968 أمام نيكسون. رونالد ريغان، الذي لطالما حذّر الأميركيين من تقييم سياسات بلدهم وسياسييها من وجهة نظر خصومها، وبمعاييرهم. في الفرصة الأولى بعد انتخابه رئيساً ذكّر الأميركيين بهذا وهو يتحدث عن «إمبراطورية الشر» السوفياتية.
«المعيار الأخلاقي الوحيد الذي يفهمونه هو المعيار الذي يخدم قضيتهم، يحتفظون لأنفسهم بالحق في ارتكاب أي جريمة؛ أن يكذبوا، أن يخدعوا، هذا يعتبرونه أخلاقياً...» ليصلوا إلى هدفهم.
الإعلام ذو الهوى اليساري كان يعتبر أن تدخل أميركا في فيتنام كارثة، أما تدخل الصين فلا أسمع لا أرى. تدخل أميركا للدفاع عن النظم التي تخدم مصلحتها كارثة. أما طابور الميليشيات السوفياتي الذي يحارب هذه النظم في وسط أميركا وجنوبها فـ«حركات تحرر».
اللعبة نفسها فعلتها إيران. واللعبة نفسها فعلها الإعلام التابع لها، واستسلم الجمهور للخدعة وقتاً طويلاً. ميليشيات إيران ترتكب الجرائم الطائفية، وتعطل الدول، وتشعل الحروب، وتتسبب في مقتل آلاف، خارج الحدود الجغرافية لإيران. ويتغاضى الإعلام عن هذا. لكن إنْ تحرك أحد ليدافع عن نفسه تذكّروا السلام والوئام وحقوق الإنسان. كأنك مجبر أن تعيش تحت رحمة الميليشيات وإلا فأنت الظالم المفتري.
لا أحد يسأل إيران: ماذا تفعلين في العراق؟ ماذا تفعلين في لبنان؟ ماذا تفعلين في اليمن؟
لا أحد يسأل طابورها الخامس: كيف تعمل لحساب دولة أخرى ضد بلادك واستقرارها ورخائها؟ كيف تتحول وتحوّل مجتمعك المحيط إلى مرتزق يموت ويحيا لتنفذ إيران خططها آمنة مستقرة؟
تجارة مربحة جداً لإيران، أغرت غيرها من القوى الإقليمية بتقليدها، فدخلت تركيا على الخط. ورأينا أيضاً طابوراً خامساً يعمل لصالحها. كأن العالم كله يتقدم، ويتطور، إلا نحن. يجب أن نظل ميداناً لغزوات متتالية طوال عمرنا. في عهد الاستعمار وفي عهد ما بعد الاستعمار. في زمان الإمبراطوريات وفي زمان الدول الوطنية. والسبب أننا استسلمنا في فترة لمعايير رُوِّجت من الخصوم وخدامهم.
الدرس الثاني من ريغان أن السلام لا يمكن أن يكون منّة تنتظرها من خصم آيديولوجي. لا يمكن. لأنه مدفوع بعقيدة تريد أن تسيطر. «نحن نحافظ على السلام من خلال القوة»، قال ريغان مبرراً زيادة ميزانية الدفاع، «الضعف لا يغري إلا بالعدوان». كل المناشدات والنيات الحسنة التي تقدمها لقوة آيديولوجية لا تفيد. فهي لن تطلب السلام إلا إن وصلت إلى قناعة أنها مهزومة بالحرب. هؤلاء أناس يتحدثون عن الموت من أجل تحقيق الغاية العقائدية، هل تعتقد أنهم سيتخلون عنها بحديثك عن السلام؟! أبداً. سيتخلون عنها حين يدركون أنهم حتى لو ماتوا لن يحققوها.
في عام 1983 أصدر ريغان أخطر إعلان في ولايته - حرب النجوم. أو نظام الدفاع الصاروخي القادر على تدمير الصواريخ النووية من خلال شبكة من الأقمار الصناعية. بقراره هذا قال للخصوم إنه لن يعتمد في تأمين مواطنيه على أفعال الآخرين، ولا على قدرته على رد الفعل. بل سيعتمد على قدرته على تحييد أفعال الخصوم، مع بقاء قدرته على الفعل.
كان القرار مخاطرة لأنه يضع الخصم أمام خيارين: إما المسارعة بهجوم نووي وإما الانتظار، وبالتالي فقدان الميزة لصالح الولايات المتحدة. مستشارو الرئيس كانوا متخوفين من لجوء الاتحاد السوفياتي إلى الخيار الأول، لأنهم يعلمون أنه لن يستطيع تحمل العيش -كدولة آيديولوجية- في ظل الخيار الثاني، حيث أميركا ذات ميزة نوعية تمكّنها في المستقبل من ضربه نووياً دون خوف من رد فعله.
كان هناك خيار ثالث: أن يدخل الاتحاد السوفياتي سباق تسليح منهِكاً، علم ريغان ومستشاروه أن هذا الخيار سيقضي عليه، ويستنفد قواه الاقتصادية. رغم كل التصريحات العنترية العلنية، طلب ميخائيل غورباتشوف الالتقاء مع ريغان، وعرض أن يتخلى الطرفان عن الأسلحة النووية مقابل أن تتخلى أميركا أيضاً عن حرب النجوم، فرفض ريغان. ما الميزة التي تجنيها الولايات المتحدة من إعطاء خصمها وهو لا يزال يسيطر على نصف أوروبا -الكتلة الشرقية- طوق نجاة؟ لماذا تعفيه من الإرهاق والاستنزاف الاقتصادي؟ وكان محقاً. بعد عام واحد من انتهاء ولاية ريغان سقط جدار برلين وبدأ تفتت «إمبراطورية الشر».
قارن بين هذا وبين فعل باراك أوباما الذي أراد من دول منطقتنا أن نعيش تحت رحمة إيران. أراد أن يعطي إيران مكافأة على سلوكها البلطجي - فسحة تستعيد فيها أنفاسها اقتصادياً، دون أن تلتزم بالرجوع إلى حدودها الجغرافية. ودون أن ترفع مظلة التهديد بمخالبها الميليشياوية، دون أن تفكك تلك الميليشيات، لا شيء. بل حتى دون ضمانات كافية بالتوقف عن الإنتاج النووي.
أوباما هذا كال له الإعلام العالمي المديح. لكنّ هذه المنطقة استوعبت بالتجربة دروس الثمانينات هنا وفي أميركا. أدركت القيادات الجديدة بعد 2011 حجم الخطر، وأدركت أن السلام مع إيران لن يتحقق إلا حين تفهم أن الآخرين قادرون على جعلها تدفع ثمن سلوكها العدواني، بالاستنزاف الاقتصادي، وبالحرب إن أصرت. وأن معاييرها ورغباتها العقائدية تخصها وحدها، وتخص طابورها الخامس على الأرض وفي الإعلام، هذه معايير لا تخصنا نحن في شيء. ولن نعيش تحت رحمتها.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة