إسرائيل تنقذ إيران

الاثنين - 03 يونيو 2019 مـ

إسرائيل تنقذ إيران

  • A
  • A
84    54
على وقع ارتفاع منسوب التوتر بين واشنطن وطهران، لا بد من التنويه بحيوية الدبلوماسية السعودية بالدعوة إلى قمتين عربية وخليجية في مكة على هامش القمة الإسلامية، لمواجهة تغول ممارسات إيران في المنطقة.
تزامنت القمتان مع تطورين مهمين في الإقليم، الأول هو حل الكنيست الإسرائيلي نفسه والدعوة إلى انتخابات جديدة بعد فشل رئيس الحكومة المنتخب بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة، والأمران هما سابقتان في تاريخ إسرائيل.
أما الآخر فهو تصاعد عنف المقتلة الدائرة في الشمال السوري، حيث يحاول النظام السوري بدعمٍ روسي مفضوح اقتحام محافظة إدلب في خرق لما سميت «تفاهمات مناطق التهدئة».
في الظاهر لا تبدو هذه الأحداث مترابطة فيما بينها، إنما في الواقع هي متداخلة ولا تنفصل عن المناخ السائد وتأتي جميعها نتيجة لمسار الأزمات العميقة التي تعصف بالإقليم ويربطها عنوان عريض واحد تصح تسميته «الورطة» التي ترخي بثقلها على اللاعبين كافة، إقليميين ودوليين.
قمم مكة أطلقت رسالة واضحة لشبه إجماع عربي على التضامن في وجه الممارسات الإيرانية وعززت تحصين الجبهة أمام المخاطر المحتملة المشرعة على المجهول، لا سيما أن كل المؤشرات تشي باستبعاد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران أقله في المديين القريب والمتوسط.
إن انحسار خطر الحرب لا يعني البتة أن بدائلها أقل خطراً وعلى رأسها بقاء المراوحة - الورطة الثابت الوحيد، بما يعني أن المنطقة بعيدة عن الدخول في جحيم الحروب وفي الوقت عينه في نعيم الحلول الدائمة.
فإسرائيل نفسها التي كانت تتباهى بمستوى الأداء المميز في سياساتها الداخلية، تشهد أزمة سياسية غير مسبوقة في استعصائها وانقسام داخلي حاد أبرز ملامحه التجاذب الخطير بين المتدينين المتشددين الأرثوذكس والمتشددين الوطنيين وعلى رأسهم أفيغدور ليبرمان الذي قال في توصيف لافت للأوضاع الداخلية إنه يرفض أن تتحول إسرائيل إلى دولة «خمينية» تسيطر عليها توجهات اليمين المتدين المتشدد.
إلى هذا، يقع موعد الانتخابات الجديدة الذي حُدد في 17 سبتمبر (أيلول) المقبل بعد موعد جلسة الاستماع إلى نتنياهو في القضايا المرفوعة ضده والتي قد يعقبها توجيه اتهام رسمي ضده بما يَحول دون مشاركته في هذه الانتخابات. وحتى في حال نجا من الإجراءات القضائية وشارك فيها، فإسرائيل مقبلة على أزمة طويلة إذا جاءت نتائج الانتخابات مماثلة للانتخابات الأخيرة مع توقع استمرار الطوق الذي فرض على نتنياهو، أو إلى تغيير جذري في السياسات المعتمدة في حال فوز معسكر ليبرمان أو معسكر الأبيض - الأزرق.
الحدث ناتج عن ديناميات داخلية لكنّ انعكاساته على أزمات المنطقة كبيرة لا سيما أنه يأتي في سياقات إقليمية مفصلية أهمها صفقة القرن واشتداد الصراع الأميركي الإيراني. وبغض النظر عن نتائج الانتخابات المبكرة، يبقى أن إسرائيل دخلت حالياً في مرحلة الوقت الضائع يصعب معها أن تتخذ قرارات مصيرية في أكثر من قضية، ما قد يعني على الأرجح استبعاد فرضية قيامها بمغامرات عسكرية وهي التي كانت تلعب دور رأس الحربة في مواجهة ما تصفه بالخطر الإيراني.
من ناحية أخرى، وإذا تمكنت القوى السياسية التي ستفوز في الانتخابات المبكرة من تشكيل حكومة فهذا الأمر لن يكون قبل أكتوبر (تشرين الأول) أو نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يصادف دخول الولايات المتحدة مناخ حملات الانتخابات الرئاسية، ولا نحتاج إلى كثير عناء لنعرف أنه في مرحلة السباق نحو البيت الأبيض تخفّ كثيراً احتمالات إقدام واشنطن على أعمال حربية، هذا مع الإشارة إلى تردد الإدارة الأميركية الحالية في الانخراط في أي أعمال حربية في المنطقة.
المحصّلة هي أن إسرائيل وأميركا مكبلتان راهناً بأوضاعهما الداخلية، بما يسمح لإيران بأن تشعر بأن سيف العمل العسكري انزاح من على رأسها أقله حتى بداية عام 2021. هذا لا يعني البتة أن العقوبات أو الضغوط الأميركية ستتراجع، إنما المخاطر الكبرى انحسرت أو أقله تأجلت. يترافق ذلك مع سيل من التصريحات والتغريدات يطلقها الرئيس الأميركي في كل الاتجاهات تفيد برغبته في جلب إيران إلى طاولة المفاوضات.
بناءً على كل ما سبق، وفي وقت كان المرتجى أن يطال التغيير النظام الإيراني أو أقله ممارساته، يبدو أنه سيشكّل طوق نجاته من الاستحقاقات الكبرى والحاسمة، إلا في حالة انفجار اجتماعي في الداخل الإيراني بعد تراجع الخطر الخارجي.
وفي سياق عنوانَي المراوحة والستاتيكو، يبدو أن صفقة القرن المنتظرة سوف تدخل هي أيضاً مرحلة المراوحة حتى التجميد، لأن غالبية المراقبين يعدّون الصفقة مرتبطة إلى حد كبير بشخص نتنياهو، ومصير هذا الأخير بات على المحكّ بالنظر إلى ذيول التزامن بين موعدي الانتخابات وجلسة الاستماع القضائية التي تنتظره إضافةً إلى حيثيات داخلية أخرى.
على مقلب آخر ودائماً في إطار الورطة المستحكمة، حرك انشغال معظم الأطراف في المنطقة شهية نظام الأسد وراعييْه الروسي والإيراني على شن هجوم ضد إدلب بما يبدو أنهم المستفيدون من مجمل التطورات. فعلى وقْع العقوبات على إيران التي خطفت الأضواء عن كثير من الأزمات الأخرى، يأتي حل الكنيست وانشغال إسرائيل بالانتخابات المقبلة كفرصة ذهبية لنظام الأسد تسمح له بمتابعة مشروعه القديم الجديد بالسيطرة على إدلب بالتقسيط.
صحيح أنه يصعب على النظام مع الغطاء الروسي الفاعل السيطرة على كامل المنطقة، إنما قد يتمكن جراء شبه الشلل الإسرائيلي والأميركي إضافة إلى الضياع والتخبط التركي، من أن يسيطر على نصف المحافظة أو قسم كبير منها. هذا الأمر إن حصل، سيمكّن النظام ويؤكد نجاح سياسات موسكو وطهران بدعم بقاء الأسد على رأسه.
إنّ احتدام العنف في إدلب يلقي مزيداً من الغموض المحيط بالموقف الأميركي من إيران وروسيا كما بالعلاقات الأميركية التركية، ويؤكد مقولة أن أميركا غير مهتمة بسوريا وتعدها شأناً روسياً وليس إيرانياً، ما يشكّل عطباً رئيساً في السياسة التي تنتهجها واشنطن لاحتواء الأنشطة الإيرانية.
الخلاصة أن الثعلب الإيراني سيتألم لكنه قد ينجو، والأسد السوري يطل برأسه من جديد، ونفوذ الدب الروسي يتمدد، والحليف التركي ينكمش. إن سياسة الضغط الأقصى التي تمارسها واشنطن لن تؤدي إلى تسويات تحقق الاستقرار المنشود بل إلى الحد الأدنى من التفاهمات المؤقتة والمبهمة. وعلى الرغم من السواد المحيط بمستقبل المنطقة، لعل الفرصة اليوم متاحة لتشكيل الناتو العربي المنتظر أكثر من أي وقت مضى ليأخذ العرب على عاتقهم تحمل العبء الأمني الإقليمي.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة