الصعود الصيني... ما وراء المؤشرات الاقتصادية والعسكرية

الأحد - 16 يونيو 2019 مـ - رقم العدد [ 14810]

الصعود الصيني... ما وراء المؤشرات الاقتصادية والعسكرية

  • A
  • A
د. محمد فايز فرحات
مع استمرار عملية «الصعود الصيني»، تصاعدت أيضاً سلسلة من الكتابات والتحليلات التي استفاضت في تناول مظاهر ومؤشرات هذا الصعود، خصوصاً تلك المتعلقة بمعدلات النمو الاقتصادي، وحجم الإنفاق العسكري، وحجم الصادرات الخارجية، وحجم الاحتياطي النقدي... إلخ. لكن قراءة أكثر شمولاً لهذا الصعود، والوقوف على المآل النهائي لهذه العملية - خصوصاً مع تطور حرب تجارية مفتوحة بين الصين وبين الولايات المتحدة - تقتضي تجاوز الوقوف عند المؤشرات الاقتصادية والعسكرية - مع أهميتها - ورصد مجموعة من التحولات الأخرى ذات الطابع الهيكلي، والتي تمثل - إن شئنا الدقة - جزءاً من استراتيجية صينية لإعادة هيكلة النظام العالمي، والمؤسسية الاقتصادية العالمية، لتعكس التوزيع الفعلي الجديد للقدرات الاقتصادية والعسكرية داخل هذا النظام، بعد أن فقدت العديد من مؤسسات وأبنية هذا النظام وأنظمته الوظيفية المختلفة، القدرة على التوزيع العادل للأعباء والمكاسب داخل هذا النظام.

في هذا السياق، وفي إطار عملية «مراكمة» القوة الصينية داخل النظام العالمي، يمكن تسجيل الدور الصيني داخل «مجموعة العشرين» (G - 20)، التي باتت تلعب دوراً مركزياً في إدارة النقاش العالمي حول إصلاح النظام الاقتصادي والتجاري العالمي، وعلى رأسه إصلاح صندوق النقد الدولي. ورغم أن المجموعة أنشئت في سنة 1999 بمبادرة من «مجموعة السبع» الصناعية، عقب الأزمة المالية الآسيوية، إلا أن الصين نجحت بشكل لافت في الاضطلاع بالدور المركزي داخل المجموعة والتعبير بقوة عن مصالح الاقتصادات الناشئة والنامية. من ذلك أيضاً الدور الصيني في تأسيس مجموعة «بريكس» التي تضم الاقتصادات الناشئة الخمس الأهم: الصين، روسيا، الهند، جنوب أفريقيا، البرازيل.

ثم جاء التحول الأهم مع طرح المبادرة الصينية الضخمة «الحزام والطريق»، التي تمثل إطاراً لتعميق حالة الاعتماد المتبادل بين الاقتصاد الصيني من ناحية، وعدد كبير من الاقتصادات الموزعة على معظم الأقاليم (شرق آسيا، جنوب شرقي آسيا، جنوب آسيا، وسط آسيا، أوروبا، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشرق أفريقيا)، بهدف خلق «مصلحة عالمية» مستقرة (بما في ذلك لدى القوى الأوروبية وحلفاء الولايات المتحدة) في استمرار عملية الصعود الصيني، ومن ثم تطوير إدراك عالمي بأن هذا «الصعود» لا ينطوي على «تهديد»، بقدر ما ينطوي على «مكاسب»، ليس فقط بالنسبة للاقتصادات الواقعة على مسارات «الحزام والطريق»، ولكن بالنسبة للاقتصاد العالمي ككل، وهو ما يمثل ضربة قوية لنظرية «التهديد الصيني» (China Threat Theory)، التي تطورت خلال العقود الأخيرة على يد عدد من الأكاديميين والسياسيين الأميركيين.

أضف إلى ذلك أيضاً المبادرات الصينية الخاصة بإنشاء عدد من المؤسسات المالية المهمة، خصوصاً «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية» (AIIB) (الذراع المالية للحزام والطريق)، و«بنك التنمية الجديدة» (NDB) (الذراع المالية لمجموعة «بريكس»)، بالإضافة إلى المؤسسات المالية الصينية الوطنية مثل «صندوق طريق الحرير». هذه المؤسسات المالية باتت تلعب دوراً بارزاً في إدارة حركة التدفقات المالية العالمية بشكل عام، وتدفقات الاستثمار العالمي وتمويل التنمية بشكل خاص، فضلاً عن الفلسفة المغايرة التي تحكم عمل هذه المؤسسات بالمقارنة بمؤسسات «بريتون وودز»، على نحو يؤسس لبناء «حوكمة مالية» بديلة لتلك التي مثلتها هذه المؤسسات، والتي تم تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية للحفاظ على مكاسب الدول المنتصرة في الحرب.

ولا تقتصر أبعاد المبادرة على بناء هذه «الحوكمة المالية» البديلة، لكنها تشمل أيضاً العمل على بناء القواعد والأنظمة البديلة المؤسسة لنظام عالمي جديد من خلال بناء «حوكمات» بديلة في مختلف المجالات، خصوصاً في مجال الطاقة، كما تكشف عنه وثيقة «رؤية وخطط عمل لتعاون الطاقة للبناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين»، الصادرة في مايو (أيار) 2017، التي تستهدف - ضمن أهدافها المتعددة - بناء هيكل أفضل للحوكمة العالمية في مجال الطاقة، سواء من خلال استحداث بعض الأطر لإدارة التعاون في هذا المجال، أو من خلال التأسيس لمفهوم متكامل لأمن الطاقة، والتأسيس لحق الصين في القيام بدور فاعل في هذا المجال. الأمر ذاته يصدق على المجال البحري، كما كشفت عن ذلك وثيقة «رؤية للتعاون البحري في بناء الحزام والطريق»، الصادرة عن الحكومة الصينية في يونيو (حزيران) 2017، والتي تضمنت العمل على التشارك في «الحوكمة البحرية»، وتوسيع مجالاتها، من خلال إنشاء آلية حوار رفيع المستوى للتعاون البحري بين الدول الواقعة على مسار الطريق، وتوقيع سلسلة من وثائق التعاون البحري بين الحكومات.

وهكذا، يمكن القول إننا إزاء عملية تحول عميقة في بنية وقواعد ومؤسسات النظام العالمي.

السؤال المطروح بقوة الآن، ما هو المآل النهائي لعملية التحول تلك؟ وهو السؤال الذي اكتسب درجة كبيرة من المشروعية مع بدء حرب تجارية مفتوحة على مختلف المجالات والقطاعات بين الصين والولايات المتحدة.

واقع الأمر أنه لا يمكن الجزم بسيناريو بعينه للمآل النهائي لتلك التحولات. هناك في المقابل إجابات عديدة يمكن طرحها استناداً إلى المقولات والافتراضات التي تطرحها النظريات الأساسية في حقل العلاقات الدولية المعنية بفهم وتفسير حالات الانتقال داخل النظام العالمي، وما إذا كان الصدام العسكري بين الدولة الصاعدة والقوة المهيمنة على هذا النظام مسألة حتمية، أم أنه يظل رهناً بعدد من الشروط؟

بعض هذه النظريات مثل نظرية «تحول القوة»، ونظرية «حروب الهيمنة»، مالت إلى اعتبار الصدام العسكري عند لحظة زمنية محددة مسألة شبه حتمية، بينما مالت نظريات أخرى، مثل النظرية «الليبرالية المؤسسية»، إلى عدم وجود علاقة جامدة أو حتمية بين حدوث تحول في القوة وحدوث الحرب. كما لا ترى أن تحول النظام العالمي يتم وفق موجات من تحول القوة و«حروب الهيمنة». وتذهب في المقابل إلى أن هناك أنماطاً مختلفةً لتحول القوة، لا تنتهي بالضرورة جميعها بالحرب. وليس من الضروري أن تسعى الدولة الصاعدة إلى تحدي النظام العالمي القائم. ويرى بعض منظريها أن النتيجة النهائية لتحول القوة تعتمد على مجموعة من المتغيرات، تشمل: درجة عدم الرضا، وطبيعة النظام العالمي، وطبيعة النظام الحاكم داخل القوة الصاعدة، حيث تتصرف الأنظمة الديمقراطية - وفقاً لهؤلاء - بطريقة مختلفة عن الأنظمة غير الديمقراطية.

بمعنى آخر، تظل عملية التحول والانتقال داخل النظام العالمي عملية ديناميكية لا تخضع بالضرورة لقانون محدد معلوم مسبقاً.
الصين أخبار الصين

الوسائط المتعددة