هل ما يحيط بالواقع العربي يعيق التحول الإيجابي للمشهد الثقافي؟

الأربعاء - 10 يوليو 2019 مـ - رقم العدد [ 14834]

هل ما يحيط بالواقع العربي يعيق التحول الإيجابي للمشهد الثقافي؟

ضمن ندوات موسم أصيلة الثقافي الدولي
  • A
  • A
جانب من الندوة
أصيلة: لحسن مقنع
في إطار الدورة الـ41 من موسم أصيلة الثقافي الدولي، عقدت ندوة «الشعر العربي في زمن متحول»، التي شارك فيها عدد من الشعراء المغاربة والعرب.
وفي مداخلته حول الموضوع، قال الشاعر البحريني قاسم حداد إن «كل ما يحيط بالواقع العربي لا يسمح بالتحول الإيجابي بالمشهد الثقافي موضوعياً»، مشيراً إلى أن «الفعل الجوهري للتحول بحاجة بنيوية لوضع حر وديمقراطي يتيح للثقافة أن تحقق نفسها في الواقع... وإذا كان الموقف من الثقافة مثل الموقف من المرأة في المجتمع، فهو مؤشر حضاري لمصداقية أي جهة تدعو إلى التغيير عادة، فإنني أزعم بأن موقف المعارضات العربية من الثقافة، وبالتالي من الديمقراطية، هو حتى الآن يضاهي موقف السلطات الحاكمة في البلدان العربية، وأخشى أنه موقف أسوء أيضاً، بحكم مفارقات الخبرات ومزاعم البرامج».
وتساءل حداد عن المقصود بالتحول في الشعر العربي، وإن كان الأمر يتعلق بتحول تقني، بارتباط مع مستجدات التكنولوجيا ووسائل الاتصال، أم بتحول في المضمون؟
وأضاف: «تحولاتنا بدأت قبل سنوات، قبل التزمت الديني الجارف، حيث تحكمت التيارات الدينية المتعصبة لتتصرف في حياتنا كما لو أن المجتمع العربي لم يعرف الدين أبداً. هذه التحولات التي ترى أننا مجتمع من الجهلاء، وعلى الدين ورجاله هدايتنا وجرنا مثل البغال إلى الحظيرة. تلك هي التحولات التي ترفض مظاهر الحضارة، وفكرة المستقبل برمتها. إذن كيف لي أن أتوقع للشعر أن يكون في سياقه الطبيعي في مشهد ثقافي ثابت، يتخلف يومياً، وغير قابل للتحول الإيجابي؟».
ومن جهته، رسم الكاتب التونسي حسونة المصباحي لوحة قاتمة عن الشعر العربي، ووضع الشعراء العرب اليوم، نتيجة العزلة والغربة التي يعيشونها. وأشار المصباحي إلى أن الشاعر العربي كان حتى زمن قريب يشعر بأنه قادر على أن يكون فاعلاً في الأحداث، وكان لديه «ذلك الطموح في أن يحافظ على حضوره في الواقع، عاكساً من خلال قصائده نبضات هذا الواقع وتحولاته، وتطلع المجتمع إلى الحرية والعدالة، والتخلص من ماضٍ بغيض موسوم بالقهر والإذلال».
أما اليوم، فيقول المصباحي إن «الشاعر العربي يعامل كما لو أنه كائن زائد عن اللزوم... كائن مسكين متهور، يزعج راحة الحكام والمحكومين على حد السواء. ولأنه مصر على مواصلة عمله العبثي الذي هو كتابة الشعر، فإن أعداءه يزدادون شراسة وعنفاً يوماً بعد آخر».
وخلص المصباحي إلى أن «الشاعر العربي يشعر اليوم باليتم، فهو لم يتخلَ فقط عن أوزان الشعر القديم وعن قواعده وبناه، بل تنصل أيضاً من موروث الشعراء المجددين، مظهراً عزمه على فتح آفاق جديدة في الكتابة الشعرية... يرفض الشاعر العربي اليوم عكس هموم وقضايا مجتمعه. ولأنه منبوذ من هذا المجتمع، فإنه يحب أن يكتب ويعيش متوحداً بذاته، محاولاً قدر الإمكان أن يظل بعيداً عن صخب زمن متقلب، لينعم بسكينة روحية تكاد تكون شبيهة بتلك التي سعى إليها المتصوفة والزهاد القدماء، الذين اختاروا العيش في الصمت».
أما الشاعر المغربي المهدي أخريف، فيرى أن «مشكلة الشعر اليوم في العالم العربي هو أن معظم ما يكتب من شعر هو أقرب للنثر منه إلى الشعر، لأن المسألة الجوهرية في الشعر هي الإيقاع، والإيقاع غائب في معظم ما نقرأ». وما يعنيه أخريف بالإيقاع ليس الوزن، وإنما البصمة الذاتية والخاصة للشاعر التي من خلالها يستطيع أن يضيف إلى الشعر إضافة حقيقية. ومن دون تلك البصمة، يقول أخريف: «لا قيمة لكل ما يكتب من الشعر، سواء كان موزوناً أو غير موزون. وهنا أريد أن أشير إلى أن شعراء قصيدة النثر الكبار، جميعهم من دون استثناء، ما كانوا شعراء إلا بقدرتهم على خلق إيقاعهم الشخصي المميز. أما اليوم، فإننا نقرأ الشعر ونجد قوة في التجربة، ولكن لا نجد الإيقاع».
ويرى أخريف أن «الشعر فن صعب لأننا لا نستطيع أن نكتب الشعر عندما نريد. فالشعر يأتي ولا نذهب إليه. ولا يمكن إرغامه على أن يستجيب لبياض الصفحة، والذين يفعلون يجدون أنفسهم في رحاب النظم الصريح الخالي من وهج الشعر».
من جانبه، قال الناقد المغربي خالد بلقاسم إن «الاختلاف بشأن الشعر أمر حيوي، ولكن لا يمكن أن يكون حدسياً، لا بد أن يعتمد على معرفة بالشعر»، مشيراً إلى أن القدماء كانوا يميزون في معرفة الشعر بين العلم الذي تتطلبه كتابة الشعر، والمعرفة التي تتطلبها قراءة الشعر. وزاد قائلاً: «فمثلما تحتاج القصيدة إلى معرفة شعرية، وتكون مطالبة بإنتاج معرفة شعرية، أي منتسبة إلى الشعر، فإن قراءة القصيدة أيضاً تحتاج إلى هذه المعرفة. ومن المواقع المفتوحة لقراءة هذه القصيدة إشكال التحول الذي يحتاج هو ذاته إلى إضاءات، باعتبار أنه إشكال، وأنه ليس واضحاً، وليست لنا دراسات الآن عن وضعية التحول، غير أننا يمكن أن نتحدث عن مظاهر تعيشها المجتمعات بصفة عامة، ويمكن أن نشير إلى نمط وجود قيد التشكل منذ زمن العولمة، وبما فرضه الزمن التقني».
أما الشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي، فتقول إنها ومنذ صدور مجموعتها الأولى سنة 1982 في مجلة «الكرمل»، وهي تصطدم «بخزانة من السترات الحديدية» التي تحاول أن تملي عليها كيف تكتب الشعر، وتحدد لها ما هو شعر وما ليس بشعر.
وتساءلت جلطي قائلة: «أين نحن من هذا العصر؟ هل ننتمي إلى هذا العصر الذي لديه قيم نفعية جديدة وأفكار رأسمالية واقتصاد حر وذكاء صناعي ومعارف تكنولوجية؟». وأشارت إلى أن التقدم التكنولوجي حرر الإنسان من ثقل الذاكرة، عبر اختراع آلة تشكل امتداداً للذاكرة، كما شكلت العصا امتداداً لذراع الإنسان القديم في سعيه لقطف الثمار. ونتيجة لهذا التحرر من الذاكرة، أصبح الإنسان أكثر تفرغاً لصناعة الأفكار.
وحول موضوع الندوة، قالت جلطي: «لدينا 4 أضلاع: اللغة والشاعر والشعر والمتلقي». وأشارت إلى أن الإشكالية اللغوية مطروحة بإلحاح في العالم العربي بسبب الازدواجية اللغوية، عبر اعتماد اللغات الأجنبية ومختلف العاميات في مختلف الأقطار العربية، التي تجعل من اللغة الشعبية مختلفة عن لغة الضاد التي يكتب بها الشعر العربي. كما أشارت إلى أن كل شيء تغير، والشاعر العربي لم يعد الناطق الرسمي باسم القبيلة. فكل الوظائف التي كانت للشاعر انتزعت منه، ولم يبق له سوى وظيفة واحدة هي الدفاع عن الحرية، وأن يصبح المؤشر الأساسي للحلم في المجتمع.
وخلصت إلى القول: «الشعر الجميل والعميق يجلب السعادة، والشعر الجميل فقط يجلب المتعة، والمتعة عدو السعادة، لأنها تمر بسرعة».
المغرب أخبار المغرب

الوسائط المتعددة