الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

الأربعاء - 10 يوليو 2019 مـ - رقم العدد [ 14834]

الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

لم يتردد بعض رواد الحداثة في الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر والوزن الخليلي
  • A
  • A
شوقي بزيع
لم تكن الحداثة الشعرية لحظة انطلاقتها في أواخر أربعينيات القرن الفائت مشروعاً لنقض المنجز الشعري العربي وتقويضه ومحوه من الذاكرة، بل للإفادة من هذا المنجز إلى أبعد الحدود بغية تجاوزه والإضافة إليه، ذلك أن الجذور لا تنبت في السماء، على ما قاله الكاتب اللبناني يوسف حبشي الأشقر، بل لا بد لها من تربة تحتضنها وتمدها بأسباب النمو وعناصر البقاء. وحال كل شاعر حقيقي هو حال الشجرة التي لا تعيد إلينا المواد نفسها التي امتصتها من التربة، بل تهضم هذه المواد وتعيد صوغها من جديد على شكل ثمارٍ شهية ومختلفة كل الاختلاف عن مكوناتها الأم. ولعل هاجس الرواد الأوائل الذين خاضوا مغامرة التجديد كان متصلاً بتوفير مساحات وآفاق إضافية للقول الشعري، تُخرجه من سياقاته النمطية ومن رطانة التكرار الممل للأشكال. على أن الشعر لا يعمل وفق منطق الآيات التي يجب بعضها بعضاً، بل وفق منطق الإضافة والمراكمة والتخطي في لحظات تشكّله، ووفق منطق المغايرة والتنوع وتجاور الأشكال في مراحله اللاحقة، وإلا لوجب أن تلغي قصيدة الشعر الحر قصيدة العمود الخليلية، ووجب لاحقاً أن تقوم قصيدة النثر كلا النموذجين السابقين عليها. والذين يأخذون بهذه المزاعم، إنما يخونون جوهر الحداثة القائم على التنوع والحرية، وتعدد الأساليب والمقاربات، فضلاً عن أنهم يلتقون موضوعياً مع عتاة التقليديين المدافعين عن أحادية الشكل العمودي وإلغاء ما سواه من الأشكال. كأنهم بذلك يستبدلون عمودية سابقة بعمودية لاحقة، ويحولون الحداثة إلى آيديولوجيا من نوع آخر. فالذين يعتبرون أن قصيدة النثر هي المآل الوحيد والأخير للحداثة، لا يختلفون بشيء عن الآيديولوجيا الماركسية التي ترى أن نهاية التاريخ تتمثل في تعميم النموذج الشيوعي على كافة أقطار الأرض، ولا يختلفون بالمقابل عن مقولة فوكوياما التي ترسم للتاريخ نهاية أخرى متمثلة في النظام الرأسمالي.

وقد يكون النموذج الذي قدمته مجلة «شعر» في عقدي الخمسينيات والستينيات هو المثال الحي على استيعاب روادها وكتّابها المتنوعين لمعنى الحداثة الحقيقية التي تربط الشعر بالمشروع المعرفي والجمالي، كما بالرؤية الجديدة إلى العالم، وليس بالأشكال وحدها. ولهذا السبب قرأنا في أعداد المجلة نصوصاً تفعيلية لبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وسعدي يوسف ويوسف الخال وأدونيس، وقصائد نثرية طليعية لمحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وسركون بولص، جنباً إلى جنب مع نماذج عمودية مختلفة لبدوي الجبل والجواهري وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وغيرهم. وكذلك كان الأمر في مجلة «الآداب»، لولا أن هذه الأخيرة ورغم تشجيعها للعشرات من الشعراء الجدد ربطت الحداثة بالشعر الحر وحده، رافضة الاعتراف بقصيدة النثر كخيار شعري وأسلوبي مختلف كل الاختلاف عن الخيارين السابقين. وإذا كانت قصيدة النثر قد فرضت نفسها كخيار متميز وكقيمة مضافة إلى الشعرية العربية، فإن ذلك لا يسوغ للبعض التعاطي مع الأشكال الأخرى بوصفها أشكالاً قديمة وبالية يجب الاستغناء عنها بسبب ما تفرضه على الشعراء من نوافل الأوزان وقيودها المرهقة. فالوزن لا يصبح عائقاً أمام كشوف المعنى إلا عند صغار الموهوبين وقليلي الحيلة. وإذا كان نيتشه قد اعتبر أن الفن الحقيقي هو بمثابة «رقص مع القيود»، فلأن المبدعين الكبار هم وحدهم القادرون في ضوء القيود التي يفرضها الفن أن يجترحوا المساحات الأوسع من الحدوس وجماليات التعبير.

إن البعض لم يكتفوا بالزعم أن بحور الخليل الستة عشر قد استنفدت أغراضها، وفقدت أي إمكانية فعلية للتجديد والتجريب بعد أربعة عشر قرناً من الدوران النمطي حول نفسها، بل أسقطوا المزاعم ذاتها على قصيدة الشعر الحر، وقبل أن تمر سبعة عقود على انطلاقتها. على أن هؤلاء يخلطون عن علم أو غير علم بين محدودية البحور الشعرية المعروفة وبين لا محدودية احتمالاتها الإيقاعية والنفسية. ذلك أن رد النسق التفعيلي إلى نواته الأصغر المكونة من تتابع الحركات والسكنات يمكن أن يضعنا أمام آلاف السياقات الإيقاعية ذات التوترات المختلفة والتموجات الزمنية المتغايرة. وبما أن لكل شاعر حساسيته الخاصة، وإيقاعه النفسي المختلف عن سواه، وطريقته الشخصية في استخدام الجوازات والبحور المجزوءة والمشطورة، كما في استخدام القافية الملائمة على صعيدي نظام الشطرين أو الشعر الحر، فإن أي بحر يختاره لقصيدته لن يكون البحر ذاته الذي يستخدمه الشعراء الآخرون. ولإقامة الدليل على ذلك يمكننا أن نلاحظ بأن البحر الكامل الذي استخدمه عنترة في معلقته الميمية، ومطلعها «يا دار عبلة بالجواء تكلمي \ وعِمي صباحاً، دار عبلة، واسلمي»، يختلف من حيث جرْسه ومتتالياته الإيقاعية وتأثيره في النفس، عن قول أدونيس على البحر نفسه «متدثّراً بدمي أسير، تقودني حمم ويهديني ركامُ». وكلاهما يختلفان إيقاعياً عن قول محمود درويش «بيروت تفاحة\ والقلب لا يضحكْ\ وحصارنا واحة\ في عالم يهلكْ»، أو عن قول الشاعر اللبناني حسن عبد الله «قولوا لها إني لبستُ قميصي الأصفرْ وخرجتُ عصر السبتْ\ قولوا لها قولوا لها: ما مَرْ \ في رأسه إلا خيال الموتْ». وإذا كان ثمة ما نستنتجه في هذا السياق فهو أن «لكلّ منا بحره الخاص»، على ما يقول سان جون بيرس، وأن الشعراء الحقيقيين لا ينزلون إلى مياه «البحر» نفسه مرتين، وأن الإيقاعات الشعرية غير قابلة للنفاد إلا لدى المقلدين ومنتحلي الصفة والنظامين الصغار.

ولعل الأمر يصبح أكثر صعوبة مع قصيدة النثر، خلافاً لما يظنه الكثير من السذج وقليلي الدراية. فهذا النمط الأسلوبي يحتاج إلى قدر من الدربة والمهارة والموهبة، لا يتوفر إلا للقلة من المبدعين وذوي القامات العالية. ذلك أن غياب الوزن والقافية التقليديين يرتب على النص أن ينهض بنفسه، مكشوفاً وأعزل من كل ظهير، وأن يستعيض عن هذا الغياب بقدر وافر من التكثيف والاختزال والثراء الصوري والإيقاعي، وربما تكون تجربة الماغوط هي واحدة من أكثر تجارب قصيدة النثر اكتنازاً بالصور المدهشة والإحالات الدلالية، فضلاً عن الالتحام التام بين وجيب القلب وبين براءة اللغة واندفاعها المحموم. وإضافة إلى المفارقات الآسرة والتشبيهات غير المسبوقة والإضرام المتواصل لحرائق الروح، يستعيض الماغوط عن البحور التقليدية بالتناظر المتناغم بين الجمل، وبقوة العصب وتوهج المعنى اللذين يحولان الوزن إلى عنصر ثانوي في معادلة الكتابة «قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر\ إنني أرفع سبّابتي كتلميذ\ طالباً الموت أو الرحيل\ ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة\ من أيام الطفولة\ وأريدها الآن\ لن أصعد قطاراً ولن أقول وداعاً\ ما لم يُعدْها إلى حرفاً حرفاً ونقطة نقطة\ وإذا كان لا يراني\ أو يأنف من مجادلتي أمام المارة\ فليخاطبني من وراء جدار\ ليضعها في صرّة عتيقة أمام عتبة\ أو وراء شجرة ما\ وأنا أهرع لالتقاطها كالكلب\ ما دامت كلمة الحرية في لغتي\ على هيئة كرسي صغير للإعدام». وفي شعر أنسي الحاج نستشعر تواشجات إيقاعية تدور على نفسها كرقصة مولوية، بقدر ما نلمح مؤالفة واضحة بين الطرب الصوتي وبين النشوة المترعة بالترجيعات، كما أن تداخل الشهواني والحسي بالروحي والصوفي يحيلنا إلى النصوص التأسيسية المشابهة في «نشيد الإنشاد»: «الجبل أخف حمْلاً من الشوق\ والأرض أقصر من الغيرة\ أي شفق يشتهي الغوص كما أشتهيكِ\ أي مرآة تشتهي أن تركض إليكِ كما أشتهيكِ\ الساحرة وتظن نفسها مسحورة\ من طغيان حبها علي».

ليس بالأمر المستغرب بهذا المعنى أن تعود القصيدة الخليلية إلى الواجهة بعد فترة من الضمور والتراجع استمرت لعقود عدة. ولم يكن التراجع ناجماً عن غياب نجومها الكبار فحسب، بل بسبب ما يمكن تسميته برهاب الحداثة، وبتغييب قصيدة الشطرين شبه التام عن الصفحات الثقافية العربية، وبتعامل النقد الحديث معها كما لو أنها مجرد جثة محنطة في متحف الماضي. على أن تلك العودة لم تكن وليدة الصدفة المجردة بل بفعل معطيات وعوامل عدة، من بينها تداعي الصحافة الورقية وتراجع القبضة الصارمة للنقد الحداثي، إضافة إلى الأثر الدراماتيكي غير المسبوق لمواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى برج بابل جديد من العروض اللغوية المفتوحة بالتساوي أمام ملايين الباحثين عن وسيلة لتحقيق الذات، وإلى برامج المسابقات الشعرية المتلفزة والمدعمة بحوافز مالية مغرية، مثل «أمير الشعراء» و«شاعر المليون» وغيرها. ورغم أن تلك الظواهر الجديدة قد وضعت المشهد الشعري العربي أمام الكثير من التسيب والفوضى واختلاط المستويات وضياع المعايير، إلا أنها وفرت لنا سبل اكتشاف مجموعة غير قليلة من الشعراء الشبان الذين أعادوا للقصيدة العمودية بعض ألقها المفقود، ورفدوها بمناخات وصور ورؤى مغايرة تقع في قلب المنجز الشعري الحداثي، وتسهم في إخراجه من الأسلبة والتماثل والتكرار النمطي. وعلينا أن نتذكر في هذا السياق أن رواد الحداثة الطليعيين لم يتنكروا لأي من الأساليب والأشكال المعروفة، بل إن البعض منهم، كنزار قباني وأدونيس، لم يتردد في الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر والوزن الخليلي، دون أن يرى في ذلك ما يدعو إلى الحرج أو الارتباك أو الاعتذار.

الوسائط المتعددة