نساء المعسكر الشرقي... هل كنّ أفضل حالاً؟

الخميس - 25 يوليو 2019 مـ - رقم العدد [ 14849]

نساء المعسكر الشرقي... هل كنّ أفضل حالاً؟

كاتبة أميركية تنتقد تعامل النظام الرأسمالي مع المرأة
  • A
  • A
واشنطن: محمد علي صالح
كريستين غودسي؛ «الأميركية» مؤلفة هذا الكتاب، ليست شيوعية، ولا اشتراكية، ولا تقدمية. نعم؛ ليبرالية، لكنها تعارض الحركة النسائية الأنثوية المتطرفة (مساواة كاملة بين النساء والرجال).
لهذا؛ يبدو غريباً أن تكتب كتاباً تدافع فيه عن وضع المرأة في المعسكر الشرقي قبل سقوط الشيوعية (ونهاية الاتحاد السوفياتي، ونهاية سيطرته على دول شرق أوروبا).
وتعمل غودسي أستاذة في العلوم السياسية، بـ«قسم دراسات أوروبا الشرقية»، بجامعة بنسلفانيا. وقد كتبت كثيراً عن هذا الموضوع، خصوصاً عن العلاقات بين الرجال والنساء، قبل وبعد سقوط الإمبراطورية السوفياتية.
عندما سقطت هذه الإمبراطورية، وتحررت دول شرق أوروبا، اشتركت غودسي في نقاش حول هذا الموضوع مع أكاديميات في الولايات المتحدة، كُنّ يرين أن نساء روسيا وشرق أوروبا سيكنّ أكثر المتضررين، وذلك لأن الدول الاشتراكية كانت تقدم لهنّ خدمات كثيرة (مثل رياض الأطفال، وإجازات الحمل والولادة، ومعاشات كبيرة).
وقالت غودسي إن نساء أوروبا الشرقية سيجدن فرصاً أفضل من الرجال في أسواق العمل التنافسية الجديدة، وذلك بسبب القوة الاقتصادية والاجتماعية التي حصلن عليها قبل ذلك. بل انتقدت غودسي منظماتٍ نسائيةً أميركية أرسلت وفوداً إلى روسيا ودول شرق أوروبا «للدفاع عن المرأة» هناك.
اختارت المؤلفة عنواناً مثيراً لكتابها: «لماذا الجنس أحسن للنساء في ظل الاشتراكية؟» مع عنوان جانبي يقول: «جدل نحو استقلال اقتصادي للنساء... للتحرر من سيطرة الرجال».
يمكن تلخيص هذا الكتاب في التالي: الرأسمالية غير المنظمة (المتطرفة) تؤذي النساء. ولا بأس بتبني بعض السياسات الاشتراكية لإنصافهن.
ماذا ستفعل هذه السياسات الاشتراكية لرفع مستوى النساء؟ تقول الكاتبة إنها «ستؤدي إلى الاستقلال الاقتصادي، وتحسن ظروف العمل، وتحقيق وتحسن التوازن بين العمل والعائلة، بل حتى تجعل ممارسة الجنس أفضل».
وتخاطب المؤلفة قراءها من النساء «والرجال» بصورة مباشرة: «إذا كنتنّ لا تعرفن لماذا تعدّ الرأسمالية، بصفتها نظاماً اقتصادياً، مؤذية جداً للنساء، وإذا كان يصيبكن الشك في أن في الاشتراكية أي خير، فعندي حل في هذا الكتاب، وهو حل يميل نحو الاشتراكية أكثر من الرأسمالية».
ثم تحكي المؤلفة قصتها مع الرأسمالية والاشتراكية. وتقول إنها، في ستينات القرن الماضي، كانت طالبة مدرسة ثانوية... و«كنت أؤمن إيماناً راسخاً بأن الغرب هو وحده الذي يعمل لتحقيق المساواة بين النساء والرجال، والذي يجعل المرأة ربما حتى أحسن حالاً من الرجل».
خلال السنوات القليلة التالية، درست المؤلفة في دول بشرق أوروبا، وطافت دولها، وعاشت في بيوت نسائها. وخلصت إلى أن بعض الدول (مثل ألبانيا، ورومانيا، وروسيا في عهد الديكتاتور جوزيف ستالين)، كانت مثل الجحيم للنساء (وللرجال). لكن، كانت أكثر دول شرق أوروبا، وأهمها، أكثر إنصافاً للنساء.
وأضافت المؤلفة: «عقدت حكومات تلك الدول الاشتراكية عقداً مع نسائها: نحن نساعدكنّ، وأنتنّ تساعدننا. نحن نوفر لكُنّ متطلبات الأنوثة، والزواج، والأمومة (رياض الأطفال، وإجازات الحمل والولادة، وإجازات سنوية برواتب)، وأنتن تصرن جزءاً من الماكينة الاقتصادية (مشاركة الرجال في كل مجال عمل تقريباً)».
في الحقيقة، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، كانت الدول الاشتراكية تشجع نساءها وكنّ يَقُدْنَ الجرارات العملاقة، ويطرن في الفضاء (مثل فالنتينا تريشكوفا)، حتى قبل أن يطير الرجال الأميركيون إلى الفضاء.
وكانت حكومات تلك الدول الاشتراكية تبث دعاياتها عن دور المرأة في كثير من دول العالم الثالث عبر أفلام «اشتراكية»، مثل: «سائقة جرار أنثوية» و«نساء في مناجم تحت سطح الأرض» و«امرأة في كابينة قيادة طائرة»... و«نعم فالنتينا».
لم تصل مثل هذه الدعايات إلى الدول الغربية، خصوصاً إلى الولايات المتحدة، لأنها لم تكن متطورة جداً في الإعداد والإنتاج، ولأنها كانت «دعايات شيوعية».
وكانت المرأة في الدول الاشتراكية تتمتع بحق الإجهاض، حسب المؤلفة، حتى قبل ظهور حبوب منع الحمل. وهنا تعلق كريستين غودسي بقولها: «بعد نصف قرن، تظل المرأة الأميركية لا تسيطر على رحمها، ويظل سياسيون رجعيون يريدون أن يسيطروا على رحمها».
ثم هناك المشكلة المستمرة في الشرق والغرب، وهي قلة عدد الرجال بالمقارنة مع عدد النساء. في الشرق، أسست حكومات اشتراكية برامج لمساعدة النساء اللائي ينجبن؛ سواء داخل إطار الزواج أو خارجه، ولمساعدة النساء على مقابلة الرجال، خصوصاً في الجامعات.
لكن، عموماً لا تتحمس مؤلفة الكتاب كثيراً للاشتراكية. وتعترف بأن الاشتراكية ليست «جنة المرأة (ولا جنة الرجل)»، وأن «ما اكتسبته النساء في مجال التعليم ومجال العمل، فقدنه في مجال الحرية السياسية، وحرية التعبير».
لكن، لا تتردد مؤلفة الكتاب في نقد النظام الرأسمالي الأميركي في طريقة معاملته للمرأة الأميركية، فهو، مثل معاملته للرجل الأميركي، يركز على استثمارات الأغنياء، ليزدهر الاقتصاد، ويتدفق الفتات إلى أسفل، نحو غير الأغنياء.
وحتى اليوم لا يوجد في الولايات المتحدة قانون لرعاية الأطفال مجاناً، أو قانون للعلاج مجاناً، أو قانون للتعليم مجاناً. (كانت هذه من سمات الدول الاشتراكية قبل نصف قرن تقريباً).
وكان الكونغرس الأميركي قد أجاز عام 1971 قانوناً لرفاهية العائلة، لكن اعترض عليه الرئيس ريتشارد نيكسون، لأنه «سيضعف العائلة». وكان قصده أن العائلة هي التي يجب أن ترعى أطفالها، لا رياض أطفال حكومية. لكن الذي حدث هو أن الأمهات خرجن للعمل خارج منازلهن (بتشجيع من الرأسمالية)، من دون رعاية منتظمة لأطفالهن. وهكذا، كما تقول مؤلفة الكتاب، تضررت الأمهات، وتضرر الأطفال، وتضرر المجتمع. لم يَقِلّ الزواج، وينخفض حجم العائلة فحسب؛ بل زاد الإحباط والتوتر والقلق، خصوصاً وسط النساء.
أميركا كتب

الوسائط المتعددة