ملاذات أوروبية بعيداً عن الزحام والصخب

الأربعاء - 31 يوليو 2019 مـ - رقم العدد [ 14855]

ملاذات أوروبية بعيداً عن الزحام والصخب

مقابل كل مدينة شعبية سياحياً مدينة تُضاهيها جمالاً وتتفوق عليها هدوءاً
  • A
  • A
لندن: «الشرق الأوسط»
تعيش المناطق السياحية الساخنة في أوروبا حالة من التشبع من حيث أعداد السائحين المتدفقين عليها. ما إن ينشر أحدهم صوراً عن وجهة معينة حتى تُثير انتباه الأصدقاء والمعارف وتفتح شهيتهم. أحياناً من باب الاكتشاف وأحياناً من باب التقليد. في كل الحالات تتحول بعض هذه الوجهات، رغم جمالها، إلى خلية تعج بالسياح خصوصاً في مواسم معينة، الأمر الذي قد يُؤثر على نسبة المتعة. وتقف وراء هذه الحالة عوامل أخرى منها رحلات اليوم الواحد والرحلات البحرية وترتيبات التشارك في المساكن وانخفاض تكاليف تذاكر الطيران وما شابه من أمور. ما يعرفه البعض أنه بالإمكان الاستمتاع بالبلد وما يُوفره من خدمات وطبيعة وطقس بعيداً عن مُدن أو جُزر بعينها. أماكن لا تقل جمالاً لكنها أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً. اخترنا لك منها:



اليونان

بدلاً من سانتوريني... تينوس

تحول مشهد الشمس المتلألئة في ساعة الغروب على الطرف الشمالي من جزيرة سانتوريني اليونانية إلى واحدة من أكثر الصور انتشاراً عبر موقع «إنستغرام». أمر مفهوم تماماً بالنظر إلى روعة المشهد الذي يمزج بين ألوان برتقالية نارية لقرص الشمس وهو يغرق خلف أفق لازوردي، بينما تُغطي السماء سحب وردية اللون منتشرة هنا وهناك فوق بيوت قرية بيضاء اللون على متحدر بركاني.

يبدو المشهد برمته ساحراً باستثناء ازدحام الآلاف في شوارع ضيقة.

فعلى امتداد سنوات حتى اليوم، واجهت سانتوريني صعوبة كبيرة في التكيف مع تدفق السائحين. فسحر الجزيرة تحول إلى ما يُشبه النقمة خصوصاً إلى أويا أو مدينة فيرا المطلة على فوهة بركانية ضخمة في سانتوريني. وبذلت السلطات المحلية جهوداً كبرى للتعامل مع هذه المشكلة، بما في ذلك تقليص الحد الأقصى المسموح به من الزائرين الوافدين عبر رحلات بحرية إلى 8 آلاف يومياً، ومع ذلك فإن المشهد لا يستحق في بعض الأحيان كل العناء لمجرد التقاط صورة على خلفية غروب شمس سانتوريني، لا سيما إذا عرفنا أن هناك بديلاً مثالياً في جزيرة تينوس التي تعكس أجواؤها الحضارة الكيكلادية القديمة. وتتميز هذه الجزيرة بكونها ملاذ الباحثين عن الجمال اليوناني بعيداً عن الصخب. هي أيضاً تتميز بغروب ساحر لا يعرف بأمره الكثيرون.

تقع الجزيرة على مسافة ساعتين بالمركب، وعلى بعد ساعة ونصف الساعة من ميكونوس. وتزخر الجزيرة بقرى تقع في منطقة داخلية بعيداً عن الساحل، اتقاء لغارات القراصنة في عصور سابقة. وتتميز تلال الجزيرة ووديانها بشبكة فريدة من أبراج الحمام. أما كنيسة «سيدة تينوس» الموجودة بالعاصمة، فقد شيدت حول أسطورة لا تزال تُلهب خيال السياح الوافدين إليها من شتى أرجاء العالم.

وإذا كانت سانتوريني تفخر ببركانها، فإن تينوس تفخر بجبالها وتشكيلاتها الصخرية. فهي تشتهر برخام أبيض نقي يُستخدم منذ العصور القديمة في تشييد المنازل على سطح الجزيرة والشوارع والكنائس والنافورات.

وفي قلب كل ذلك، توجد بيرغوس، على الطرف الشمالي لتينوس، وتعج باستوديوهات النحاتين والممرات الرائعة ومنحوتات مرمرية تحيطها أزهار حمراء وأرجوانية. ويمكن للزائرين شراء هذه المنحوتات المرمرية تذكاراً، أو البقاء لبعض الوقت في بيرغوس لتلقي دروس في فن نحت المرمر في واحدة من الورش الكثيرة الموجودة بالمكان.

في قلب الجزيرة، توجد فولاكس الساحرة التي تمتاز بالجلاميد المنزلقة ويصل ارتفاع بعضها إلى طول بناية صغيرة.

جدير بالذكر أنه في اليونان القديمة، اشتهرت تينوس بكونها موطن أيولس، ملك الريح، الذي طاف حول الجبال ونحت منحوتات عملاقة من الغرانيت الأسود. إلى الغرب، توجد على متحدرات تينوس منحوتات مرمرية خضراء اللون جرى استغلالها في مشروعات معمارية في قصر باكنغهام ومتحف اللوفر.

ويوفر استكشاف قرى أخرى على الجزيرة فرصة لتذوق الخرشوف وأنواع الجبن المحلي.

إضافة إلى ذلك، تعتبر شواطئ تينوس أكثر اتساعاً عن نظيراتها في سانتوريني، وتحت أشعة الشمس المتلألئة تتسم أمواج البحر اللازوردية بالهدوء، وعند المغيب، تظهر في الأفق مشاهد غروب على خلفية جبال تينوس لا تقل روعة عن الغروب في سانتوريني، لكن مع ميزة واحدة: اختفاء الحشود والضجيج.



هولندا



بدلاً من أمستردام... دلفت ولاهاي

تستحق روعة المشهد من أعلى سلالم برج كنيسة «نيو كيرك» المبنية في القرن 15 في مدينة دلفت والبالغ عددها 376 عناء الصعود. في الأيام ذات الطقس الصحو، يبدو المشهد كأنه يضم جميع أرجاء جنوب هولندا؛ أفق روتردام ولاهاي والميناء التابع لها، وفيما وراء الأفق مباشرة توجد كويكنهوف وحقول أزهار التوليب التي تشتهر بها.

يغيب هذا المشهد عن أمستردام، التي هي من أكثر المدن التي يفد إليها الزائرون على مستوى شمال أوروبا. وبفضل متاحفها والقناة المحيطة بها وحياة الليل الصاخبة فيها، تظل أمستردام على رأس المدن الهولندية الجاذبة للسياحة. لكن المشهد حالياً أن الحشود من السياح وأنماط سلوكهم تدمر بعض مظاهر السحر بالمدينة.

تشير الأرقام إلى أنه عام 2017، بلغ عدد زوار أمستردام 19 مليون شخص، أي ما يزيد بمقدار مليونين على إجمالي سكان البلاد بأكملها. وتمثل المدينة مشكلة أمام السياح المعتمدين على ميزانية محدودة، إذ يفد الكثيرون إليها عبر شركات طيران منخفضة التكلفة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وما وراءها. أما أماكن الإقامة فيحصلون عليها عبر موقع «إير بي إن بي» (الأمر الذي تحاول المدينة تقييده)، أو يقيمون داخل فنادق صغيرة أو داخل سياراتهم ويقضون كثيراً من وقتهم في حفلات صاخبة قد تمتد إلى الفجر. وفي أيام العطلات الأسبوعية خلال الصيف، تصبح الحشود في هذه الضاحية كثيفة لدرجة تجعل عمال الإسعاف عاجزين عن الوصول إلى من يفقدون الوعي أو يحتاجون إلى مساعدة طبية.

العام الماضي، اضطرت سلطات المدينة لفرض غرامات ضخمة على من يتجاهلون الإرشادات المنصوص عليها. في مارس (آذار)، حظرت السلطات تنظيم جولات سياحية في الضاحية الحمراء. ومنذ أكتوبر (تشرين الأول)، توقفت هيئة السياحة عن الترويج لأمستردام، وتشجع الزائرين، بدلاً من ذلك، على زيارة مدن هولندية أخرى.

من بين هذه المدن اثنتان يمكن الجمع بينهما بسهولة: دلفت ولاهاي، التي تبعد عن الأولى بمسافة 10 أميال تقريباً. جدير بالذكر أن لاهاي تضم مقر الحكومة الهولندية، وكذلك البلاط الملكي. وتعتبر المدينتان مثاليتين للراغبين في الاستمتاع بالمتاحف والقنوات والشواطئ المطلة على بحر الشمال بعيداً عن الحشود والضوضاء.

وبالنسبة لدلفت، فهي مدينة تجارية يعود تاريخ بنائها إلى العصور الوسطى. وتحيط القناة الرئيسية في دلفت، المدينة القديمة. ويمكن استكشاف الشبكة المائية بالمدينة عبر قوارب سياحية أو زوارق صغيرة. وأكثر من يحرك السياحة في دلفت السكان المحليون والسياح الهولنديون القادمون من مدن أخرى.

ورغم أن السوق المفتوحة في الهواء الطلق التي تقيمها المدينة كل سبت خلال الصيف تجتذب الكثيرين، تظل الأجواء هادئة ولطيفة.

وقد اجتذبت دلفت زائرين من دول أخرى إليها منذ عرض فيلم «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» الذي لفت الأنظار إلى واحد من أبرز أبناء المدينة: يوهانس فيرمير. ويمكن التعرف على مزيد من حياة وأعمال الرسام الشهير الذي عاش في القرن 17 في متحف «فيرمير سنتروم دلفت»، الواقع مباشرة خارج ميدان السوق الكبيرة. ويضم متحف آخر في المدينة، «متحف برنسنهوف دلفت»، مجموعة دائمة مبهرة من الرسومات المنتمية للقرنين 16 و17.

بجانب ذلك، تشتهر دلفت بالبورسلين الأزرق والأبيض. ويعتبر «ذي رويال دلفت»، الذي تأسس في القرن 17، مصنع الخزف التقليدي الوحيد المتبقي بالمدينة. ولا يزال الفنانون العاملون به يبدعون أعمالاً رائعة مصنوعة ومنقوشة يدوياً. ويمكن التجول عبر أرجاء المصنع ومشاهدة مجموعات خزفية من إنتاجه.

أما بالنسبة لعاشقي المتاحف، فتبرز لاهاي باعتبارها الخيار الأول دون منافس. ويقع متحف «ماورتشهاوس»، الذي يعتبر الأشهر على مستوى المدينة (ويضم لوحة «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» الأصلية ولوحة «نقار الخشب» لكاريل فابريتيس، بجانب مجموعة مبهرة من أعمال رامبرانت)، مباشرة إلى جوار «بيننهوف»، البلاط الملكي المنتمي للقرون الوسطى الذي يعتبر حالياً مقر الحكومة الوطنية، ويجري افتتاحه بصورة جزئية أمام الزائرين.

أيضاً، يشتهر متحف «غيمينتميوزيم» بأعمال بيت موندريان - المجموعة الكبرى على مستوى العالم، وكذلك أعمال لديجاس ومونيه وبيكاسو وفان غوخ وآخرين. كما يوجد متحف «إيشير إن هيت باليس» بجوار السفارة الأميركية مباشرة، ويقدم للزائر جولة شيقة عبر فصول حياة وأعمال فنان الغرافيك الشهير.

أما إذا كنت تبحث عن حياة الليل والاستمتاع بتناول الأطباق ذات المذاقات المتنوعة التي حملها معهم المهاجرون عبر العقود، فهناك كثير من المقاهي على الشواطئ.

إسبانيا



بدلاً من برشلونة... فالنسيا

منذ زمن والسلطات المحلية تعمل على تجميل برشلونة بهدف اجتذاب السياح وتكللت محاولاتها بالنجاح، بدليل تحسُن مستوى حياة سكانها وبنيتها التحتية وظهور ضواحٍ جديدة. فبعد دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية عام 1992 والمنتدى العالمي للثقافات عام 2004، تحولت مساحات واسعة على امتداد سواحل المناطق الحضرية من مكبات نفايات صناعية إلى شواطئ خلابة.

بيد أن ظهور «إير بي إن بي» وخدمات تأجير مساكن مؤقتة وتزايد عدد السفن السياحية التي تقل آلاف السياح يومياً إلى المدينة، جعلها تعاني من الازدحام والصخب، الأمر الذي جعل السلطات تفكر في حلول لصد هذا الزحف المتواصل الذي يصيبها أحياناً بالشلل، خصوصاً ليلاً حول كاتدرائية برشلونة حيث يقيم السياح حفلات صاخبة.

عام 2015، صدر قرار بتجميد تصاريح الفنادق، وتعرضت خدمة «إير بي إن بي» لغرامات للمرة الأولى بسبب عرض وحدات سكنية للإيجار بصورة غير قانونية. وبعد سنوات قليلة، خرج متظاهرون يحملون لافتات كتب عليها باللغة الكاتالونية «هذا ليس منتجعاً ساحلياً». كما شهدت المدينة ارتفاعاً في معدلات الجريمة، مع اعتداء بعض العناصر الخارجة عن القانون على السياح بالضرب والسرقة.

ورغم أن برشلونة التي يبلغ عدد سكانها 1.6 مليون نسمة، ويفد إليها سنوياً قرابة 30 مليون زائر، واحدة من أبرز المدن التي رُشحت للقب «فينيسيا الجديدة»، فإن هناك بدائل لا تقل عنها جمالاً وثراء ثقافياً.

فعلى مسافة 220 ميلاً على امتداد الساحل توجد فالنسيا، ثالث أكبر المدن الإسبانية، لكن يزورها سنوياً مليونا زائر بالكاد. في الأصل، شيدت المدينة منتجعاً للجنود الرومان، وتحمل في جوانبها كثيراً من السمات المشتركة مع برشلونة (كلتاهما مدينة قديمة محاطة بأسوار)؛ قلبها النابض أشبه بمتاهة من الشوارع والطرقات المتداخلة التي تعج ببنايات تحمل سمات العمارة القوطية والرومانية والباروكية، وعصر النهضة. المثير أن جميع هذه المدارس المعمارية اجتمعت في كاتدرائية فالنسيا، التي شيدت بين القرنين 13 و18. ولا يمكن لعشاق الفنون المعمارية تفويت فرصة زيارة مبنى «بورصة الحرير» الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن 15، والمدرج على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي. فهو بمثابة تذكير بالأهمية التجارية للمدينة.

حول قلب المدينة، توجد مجموعة من المتنزهات التي كانت ذات يوم نهر توريا (الوادي الأبيض)، لكن جرى تحويل مساره في خمسينات القرن 20 بعد حدوث فيضانات عارمة. عند أحد أطراف المتنزه توجد مدينة الفنون والعلوم، حيث توجد دار أوبرا فريدة في تصميمها ومتحف للعلوم وحوض مائي (الأكبر في أوروبا)، جرى تصميمها جميعاً على يد سانتياغو كالاترافا.

في الوقت ذاته، تتميز المدينة بعدد من البنايات تعكس التوجهات المعمارية الحديثة مطلع القرن 20؛ مثل السوق المركزية وسوق كولون، التي تعتبر من بين الأجمل على مستوى القارة الأوروبية. ونجحت أحياء زاخرة بالحياة والحركة مثل إل كارمن وروسافا في جذب كثير من المبدعين من مختلف أرجاء إسبانيا وأوروبا. لذا، تزخر هذه الضواحي بالمعارض الفنية والمقاهي ومختلف أنواع فنون الشوارع.

من ناحية أخرى، تشتهر فالنسيا بكونها بستان الخضراوات في إسبانيا ومهد طبق «الباييلا»، الذي يمكنك الاستمتاع به في كل مطاعمها. وبفضل الميناء الذي بني من أجل بطولة كأس أميركا لسباق السفن في عامي 2007 ثم 2009، ومنتجع «ليس أريناس ريزورت آند سبا»، أصبح البحر أسلوب حياة بالنسبة لأبناء المدينة والسياح على حد سواء.

أمر له مبرراته إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها تتمتع بأكثر من 300 يوم من الشمس المشرقة وشواطئ لا نهاية لها وثقافة رفيعة ومطبخ متميز ومعمار فريد. وتبقى الميزة المهمة التي تنعم بها فالنسيا أنها لم تجذب الأنظار إليها كثيراً مقارنة بجاراتها، وهو ما أبقاها محافظة على سكينتها وهدوئها.

الوسائط المتعددة