بالذهب والأحجار الكريمة... مجوهرات تحكي تاريخ الروس في باريس بعد الثورة

الخميس - 01 أغسطس 2019 مـ - رقم العدد [ 14856]

بالذهب والأحجار الكريمة... مجوهرات تحكي تاريخ الروس في باريس بعد الثورة

من روسيا... بالحب والتفاؤل
  • A
  • A
باريس: «الشرق الأوسط»
قارورة عطر بسيطة مُعبأة بأجمل الخلاصات، وفستان أسود ناعم، وبدلة من التويد مفصلة على الجسم، فتضفي عليه أناقة باريسية لا تعترف بزمن... هذا ببساطة هو أسلوب «شانيل»، أو بالأحرى أسلوب غابريال شانيل، الذي لا تزال الدار تسير عليه. لم تكن معجبة كثيراً بمدرسة «الماكسيميلزم» التي يتبناها البعض حالياً، بزخرفاتها المبالغ فيها وتناقضاتها الكثيرة. ربما كانت ستراها «جريمة» لا تُغتفر في حق الذوق لو بقيت على قيد الحياة إلى اليوم، بيد أنها أيضاً لم تكن ضد الزخرفات وألوان الذهب ما دامت تحمل مضموناً فنياً، فهي نفسها غرفت الكثير من فن الباروك، واستلهمت من الزخارف المذهبة التي تُزين قصور عصر النهضة وكاتدرائيات العصر البيزنطي وغيرها. الفرق أنها تحرص أن تخفف من وهجها حتى تبقى ضمن المعقول، أو بالأحرى ضمن أسلوب كان ولا يزال يوصف بـ«السهل الممتنع».

ولا يتعلق الأمر بقسم الأزياء والعطور فحسب، فقسم المجوهرات أيضاً يتبع الأسلوب نفسه، بدليل أنه هذا العام، وخلال أسبوع باريس لـ«الهوت كوتير»، كشفت الدار الستار عن مجموعة جديدة بعنوان «باريس روسيا». بكل تفاصيلها وجمالياتها، تحكي قصة عشق المصممة الراحلة لكل ما هو روسي، وكيف أثرت علاقاتها مع كثير من النبلاء والفنانين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في باريس، بلا وطن أو جاه، على أسلوبها في الحياة والتصميم على حد سواء. وظهر هذا التأثير في العطور أيضاً، حيث إن إرنست بو، مُبتكر تركيبة عطرها الأيقونية «شانيل نمبر 5»، كان أيضاً صانع عطور القياصرة.

وعندما قدمت الدار مجموعتها الجديدة من المجوهرات، لم تُخفِ أن عُشق غابرييل شانيل لروسيا لم يقتصر على فنها وأدبها وثقافتها فحسب، بل كانت له أسباب شخصية، فقد ربطتها علاقة حميمة بالدوق الأكبر ديمتري بافلوفيتش، ابن عم القيصر نيكولاس الثاني، الذي تعرفت عليه أول مرة في عام 1911، وتجدد اللقاء في بياريتز في عام 1920. كانت علاقة قصيرة لكن تأثيرها مستمر إلى اليوم. وقد تعلمت منه معنى الترف بعد أن قدمها إلى عالم جديد وأساليب مختلفة من الزخارف، رغم أنها لم تكن غريبة عن فن الباروك الذي قدمتها إليه وحببتها فيه صديقتها ميسيا سيرت.

ما قام به ديميتري أنه عرفها بزاوية مختلفة منه، فتحت شهيتها على الغوص فيه أكثر، لا سيما بعد ربطها صداقات مع مجموعة من الفنانين الفارين من الثورة الروسية، مثل سترافينسكي ودياغيليف، فضلاً عن كثير من أعضاء الباليه الروسي، الذين وجدوا في باريس ملاذاً لهم ومتنفساً لطاقاتهم الإبداعية. وبما أن الكثير من علية القوم الروس والنخبة وجدوا أنفسهم بلا دخل، اضطر أغلبهم للقيام بأعمال بسيطة، كما جاء في كتاب جوزيف كيسيل «أمراء الليل» في عام 1927؛ بعضهم اضطر إلى «بيع الورود، أو العمل في المطاعم والبيوت، أو كطهاة أو حراس»، وبعضهم الآخر كانوا أكثر حظاً، مثل الدوق ديميتري الذي استقر بياريتز ونيس التي ستصبح فيما بعد موطناً لكاتدرائية تساريفيتش المذهلة ومكان تجمع للروس. مع كل هؤلاء، بدأت «باريس الروسية» في البزوغ والتبلور، وكانت كاتدرائية ألكسندر نيفسكي في شارع دارو، ومطاعم تشايكا وتاليسمان، وجادة سوفرين، وبيتروسيان في ساحة سان شارل، وغيرها، من بين أماكن تجمعهم. ومع الوقت، أصبحت الدائرة السادسة عشرة وقسم كامل من الدائرة الخامسة عشرة مركز تجمع أغنيائهم، بينما أصبحت «بولون بيانكور» الموجودة بالقرب من مصانع السيارات مركز تجمع من هم أقل حظاً.

عالمهم كان مثيراً بالنسبة للمصممة الشابة آنذاك؛ كانت دائما تُشيد بقوة صمودهم أمام التحديات، وتأقلمهم مع التغيرات، معبرة في إحدى اللقاءات عن أنهم «علموا العالم أن العمل ليس عاراً». انبهارها بهم امتد إلى استعمالها كثيراً من المفردات الفنية في قطع أزياء تحمل روحاً روسية. أمر انتبهت له مجلة «فوغ» الفرنسية في عام 1923، ما حذا بالمصممة أن تطلب من أخت ديمتري، الدوقة الكبرى ماريا بافلوفنا، أن تفتح ورشة تطريز اسمها Kitmir، لتضمن إنتاجها حصرياً. ولترد الجميل لأصدقائها الجُدد، عينت بعضهم للعمل معها، مثل الأمير كوتوسوف، الذي عمل معها سكرتيراً خاصاً، وتوظيفها 4 دوقات كحائكات، وأخريات كعارضات أو كمسؤولات مبيعات في الدار. ولعل ظهور كثير من المفردات الروسية في تصاميمها، وعودتها إليها دائماً بشكل أو بآخر، يُعطي الانطباع بأنها زارت روسيا ولو مرة على الأقل في حياتها، لكن الحقيقة أنها لم تزرها أبداً. اكتفت بها كحلم وصورة في خيالها تظهر بين الفينة والأخرى في عروضها أو في قطعة أثاث أو أكسسوارات تُزين شقتها الواقعة بشارع كامبون، مثل مرآة بإطار منحوت يضم نسراً برأسين. هذا النسر الذي يتطلع إلى الشرق والغرب، والذي ظهر بقوة في هذه المجموعة، هو رمز لروسيا الإمبراطورية. وقد استعمل هنا في كثير من القلادات والبروشات والخواتم. ورغم أن الغلبة كانت له، فإنه لم يكن من دون منافس، فقد كان التطريز والألوان الزاهية للروباشكا، والقصات المستوحاة من كوكوشنيك، أغطية للرأس مصنوعة من المخمل ومزينة باللؤلؤ والزخارف، والأوشحة والنسيج المطبوع بزخارف فولكلورية تقليدية، أيضاً من المصادر الملهمة، فضلاً عن سنابل القمح.

الطريف أن هذه السنابل التي تتكرر في كثير من عروض الدار، باعتبارها أحد الرموز التي تتفاءل بها غابرييل شانيل، يرجع مصدرها أيضاً إلى روسيا. تقول القصة إنها في عام 1967 أقامت عرضاً كبيراً في الساحة الحمراء بموسكو لم تحضره المصممة، لكن عارضاتها جلبن لها باقات من القمح تعبيراً عن شكرهن لها، لترتبط السنبلة منذ ذلك الحين في مخيلتها بالذهب والشمس والحب والتفاؤل، وهو ما تؤكده كل قطعة صاغها مصممو هذه المجموعة.
روسيا فرنسا موضة

الوسائط المتعددة