سنوات السينما: Cabaret Balkan

الجمعة - 02 أغسطس 2019 مـ - رقم العدد [ 14857]

سنوات السينما: Cabaret Balkan

  • A
  • A
من «كباريه بلقان»: حكايات في ليلة واحدة
Cabaret Balkan
(1998)
حكايات صربية في ليلة واحدة
فيلم المخرج الصربي غوران باسكاليفيتش مستوحى من مسرحية بعنوان «كباريه بلقان» كتبها ديجان دوكوفسكي عبّر فيها عن التشرذم الذي شهدته العاصمة الصربية بلغراد في تلك الآونة التي كانت الحرب الأهلية في يوغوسلافيا تشرف على نهاياتها في عام 1995.
والفيلم يبدأ بالمسرح: رجل بوجه مطلي يقف على منصة «كباريه» يتحدث إلى الحاضرين في ذلك الملهى كما إلينا. هذا المسرحي سيعود للإطلال أكثر من مرّة خلال الفيلم ليذكر ويوجز ويوحي. إنه، كما حاله في أفلام أخرى، الراوي الذي يتدخل بين الحكايات الواردة للتعليق عليها. الفارق أنه لا يسرد الحادثة بالضرورة بل يستخلص منها الوضع الفوضوي العارم الذي يريد المخرج توفيره لمشاهدي فيلمه.
تقع الأحداث في ليلة واحدة لكنها لا تتعلق بشخصيات محدودة، بل تنتقل بينها في سلاسة مدروسة تماماً كما حال المعالجة التي يختارها المخرج للدراما البانورامية تبعاً لأسلوبه السينمائي الذي اشتهر به من قبل وفيما بعد.
الأحداث تنتقل من تقديم لص يسطو بما تيسر له إلى حادث سير ينقلب (كأحداث أخرى) إلى تراجيديا ومن صداقة تربط بين رجلين عمرها أكثر من عشرين سنة إلى مواجهة عنيفة تنهي حياة أحدهما. رجل يخطف حافلة عمومية ويهدد الركاب قبل أن يُقتل. رجل مخمور ينتحر بتفجير نفسه مع امرأة لا يعرفها في قطار.
هذه الحكايات المتداولة من دون ترتيب (أو بفوضى منظمة) تقع في غمار ليلة واحدة يذكر فيها المخرج، عبر إحدى شخصياته، أن بلغراد هي المدينة التي تحتوي على مائة مواطن مقابل شرطي واحد. النسبة عادية في مدن أخرى هادئة ومسالمة وليست عرضة للجرائم الفردية، لكنها مرتفعة في مدينة خرجت من الحرب مفتوحة على كل الاحتمالات. وفيلم باسكاليفتيش («تانغو أرجنتينو»، «كيف أصبح هاري شجرة» وسواهما) يصيغ بعض أسوأ الاحتمالات، فكل حكاية من لدنه تنتهي بفاجعة. بموت عرضي أو مقصود وتحتوي على شخصيات إما ضعيفة هاربة أو قوية قاتلة.
كذلك فإن بعض الشخصيات يتكرر ورودها من حكاية إلى أخرى لتزيد من تعاضد وتماسك الفيلم. فالحكاية التي تسرد قيام شاب أرعن بصدم سيارة رجل يدعي بأنه لم يتعرض لحادثة منذ شرائه سيارته الحمراء قبل عشرين سنة تنتقل إلى منزل والد الشاب. السائق الهائج اصطحب معه صديقاً له والاثنان يبطشان بالأب. هذا الصديق سيظهر في الحكاية التي تقع على بعد نصف ساعة من ذلك الحادث فهو الملاكم الذي خان صديقاً آخر مع زوجته وكشف له في مباراة ملاكمة تبدأ ودية بذلك. الصديق يبتسم ويداعب لكنه بعد حين وجيز يقتل الملاكم.
لاحقاً ما نرى الشاب الذي قاد السيارة برعونة ما زال هاربا في قطار يتجه به إلى مكان مجهول. القاتل الذي يشرب لينسى جريمته في هذا القطار (لا يعرف أحدهما الآخر) وهو ينتحر مفجراً نفسه بقنبلة مع فتاة كنا رأيناها في حكاية منفصلة أخرى مختلفة تماماً.
طبعاً بقيام المخرج باسكاليفيتش بوضع الأحداث في سنة 1995 هناك السعي لربط الوضع الفردي بالوضع العام للمنطقة وحروبها. لكنه لا يعرض شيئاً من تلك الحرب لأن ذلك ليس ما يرغبه. على ذلك، وفي المقابل، يوفر الحديث عنها كما يقدم شخصيات بوسنية ومقدونية. هي وسواها تؤلف تلك المساحة الشاسعة من الأعراق التي تآلفت تحت نظام ثم تقاتلت ما إن دخلت نظاماً جديداً إلى أن انتهى عصر الاقتتال عنيفاً كما بدأ.

الوسائط المتعددة