كُتاب مغاربة يستعيدون كُتباً حركت فيهم رغبة الكتابة

الخميس - 08 أغسطس 2019 مـ - رقم العدد [ 14863]

كُتاب مغاربة يستعيدون كُتباً حركت فيهم رغبة الكتابة

  • A
  • A
عبد العزيز الراشدي - عبد العزيز آيت بنصالح - عبد اللطيف السخيري - فدوى الزياني
مراكش: عبد الكبير الميناوي
بالنسبة لعدد من الكتاب المغاربة، يبقى تحديد اسم كاتب أو عنوان كتاب، واعتباره نقطة التحول التي حركت فيهم رغبة الكتابة، أمراً صعباً، وذلك في استحضار لعلاقة المبدع بالحدود التي يمكن رسمها بين فعلي القراءة والكتابة، ضمن ثنائية استحضرها عبد الفتاح كيليطو، في كتابه «حصان نيتشة»، شدد فيها على أن «إحدى مهام الكاتب هي أن يتبنى نبرة، ويحتفظ بها، ويجعل القارئ يتقبلها»، وأنه حينما يقرأ محكياً، يحدث أن يقول لنفسه أمام مقطع، قد عشت هذا المشهد، وأحسست بهذه العاطفة، ويتكون عنده انطباع بأن ما يقرأه قد كتب له خصيصاً، بل يحدث أن يقول لنفسه بكل سذاجة: «كان بمقدوري أن أكتب هذا الفصل، وهذا الكتاب».
- السخيري: «لماذا تركت الحصان وحيداً؟»
هَلْ يُمِكنُ أَنْ نُحَدِّدَ كَاتِباً أَوْ كِتَاباً مَا، ونَدَّعِي أَنَّهُ هُو نُقطة التحول التي قادَتْ أَقدامَ أَقلامِنا الغِرَّة إلى حَقل الكِتابة، مُخَلِّصَة إيَّانا من رُعْبِ النَّواطير، ومِنْ رَهْبَة بَياضٍ يَسْتَحيلُ عَتْمَة تَحْجب الرُّؤية، وتُقْنِعُ من الغَنيمة بالإِياب؟ الأَمْرُ يَصْعُب. وصُعُوبَتُه هي مَا يُغْرِي بِاقْتِراف الادِّعاء بِوَصْفه أَساسَ الاستعارة (في قولِ الجُرجاني). سَأعتبرُ مَا سَأَدَّعِيه، إِذَن، استعارة مُوَسَّعة قد تكُون كَفيلة بِرَسْمِ مَلامح الأُفُق الذي أَسعى إلى الكِتابة في أُفُقِه».
ديوان «لِماذا تَرَكْتَ الْحِصَانَ وَحيداً؟» لمحمود درويش، هُو الكتابُ الذي انْغَرسَتْ هَمْزَة استفهَامِه في وِجدَاني كَما يَنْغَرِسُ شِصُّ صِنَّارة في فَمِ سَمَكة ضَاقَتْ بِمَائِها، فَفَكَّرَتْ في الطَّيران إلى فَضَاءٍ آخَر. أو كَمَا تَنْغَرِسُ مِرْسَاة سَفِينَة وَجَدَتْ مَرْفَأً فَخَالتهُ ضَالتها بَعْدَ تِيهٍ أُدِيسْيُوسِيّ. لَمْ يَكُنْ أَوَلَ مَا قَرَأْتُ للشَّاعر محمود درويش، ولَكِنَّهُ أَوَّلُ مَا رَسَخَ في نَفِسي، وَأَثَارَ خَيَالِي. فَصَار بهذا الرُّسُوخِ كأَنَّهُ أَوَّلُ مَا قَرَأْتُ لَه، وآخِرُه أَيْضاً. بِهِ أَقِيسُ مَا قَبْل، وَمَا بَعد، في تجربة الشاعر. ولعلَّ هذا الرُّسُوخ عائِدٌ إلى أَمْرَيْن: أَوَّلُهُما أَنَّ «لِماذا تَرَكْتَ الْحِصَانَ وَحيداً؟» كان أَوَّلَ دِيوانٍ دَرْوِيشِي أَقْتَنِيه، فَرَافَقَنِي في حلِّي وتِرْحَالي. فَحَقَّ القَوْلُ إِنَّ مَا تَمْلِكُه يَمْلِكُك. وثَانِيهِما أنَّهُ شَكَّل نَقْلَة نَوْعِيَّة في تَجْرِبَة الشَّاعر، مِنْ خلال الْمُرَاهَنَة على الأُوتُوبْيُوغْرَافِيّ. بِكُلِّ ما يَزْخَرُ بِهِ مِن استعادة لِلَحَظَاتِ المَاضي الفَرْدِي والجَماعيّ. حَيْثُ يتقَاطَع التاريخ بِالجُغرافيا الفلسطينيَّة التي تَسْكُنُنا جَميعاً. وإلَى جَانب مَشَاهد الحِوار بينَ الأَب والاِبن، ومَشاهدِ النُّزُوح النَّازف، ظَلَّت لَحَظَاتُ الوِلادَة المُتعدِّدة لِلذَّات الشَّاعِرة (الصرخة، المنفى، اللغة) مِفْصَلِيَّة بالنِّسبة لِشَابٍّ يَحْبُو نَحْوَ البَوْحِ، ويَحْلُمُ بِالقَصِيدَة، بَيْنَ مَاضِيه الغامض: «أَرَى شَبَحِي قَادِماً مِنْ بَعِيد...»، وآتِيهِ المُتَفائِلِ بِسَرَابِ الإِرَادة: «أُطِلُّ كَشُرفة بيتٍ، على مَا أُرِيد».
- آيت بنصالح: «اسم الوردة»
من منطلق أنني أكتب رواياتي بخلفية تاريخية، أجدني أبحث عن الفكرة التي تبقى أصعب ما في الكتابة التاريخية. وقد وجدت في «مجمل تاريخ المغرب» لعبد الله العروي ما يفيد ويغني تجربتي»، هو الكتاب، الذي نقرأ في مقدمته على لسان كاتبه: «إن القارئ غير راض عما يجده اليوم في السوق من الكتب حول تاريخ المغرب. إذا رجع إلى المؤلفات القديمة وجدها مليئة بالحروب والثورات والخرافات وأشعار المناسبات. إذا التفت إلى الرسائل الجامعية تاه في نظريات مبهمة عن المنهج أو في تحليلات دقيقة حول منطقة أو أسرة أو تنظيمة اجتماعية. وإذا التجأ إلى كتب الأجانب رآها تزخر بأحكام استعمارية تعكر عليه صفو يومه. فيسخط ويقول: أين مؤرخونا؟ لماذا لا يعيدون كتابة تاريخنا؟».
هناك أيضاً من الروايات «اسم الوردة» لأمبرطو إيكو، الكتاب الذي كتب بخلفية تاريخية، وهز الأوساط الأدبية، خلال ثمانينيات القرن الماضي، داخل إيطاليا وخارجها، و«لا يزال النقاد والدارسون يجتهدون في تأويله وفي دراسة خصوصياته الأسلوبية والمعنوية»، والذي استعمل فيه الكاتب، كما نقرأ في تقديم ترجمته العربية، «طريقة طريفة لارتكاب الجرائم، تتماشى مع عالم رهباني يعيش مع الكتب ومن الكتب: كتاباً مسموماً. والرهبان الفضوليون أو المتعطشون لمعرفة حجبتها إرادة ظلامية ومنحرفة يتسممون من خلال تصفحهم للكتاب المحجوب وبالقدرة التي يدفعهم إليه حب اطلاعهم».
- فدوى الزياني: «مائة رسالة حب»
في سن الثالثة عشرة كان لقائي بالشعر، حين وجدت كتاباً صغيراً وممزقاً. كان عنوان الكتاب «مائة رسالة حب». هنا، تعرفت على نزار قباني. وجدت كتاباً أقرأه بمتعة وشغف، في الصباح وفي الليل. كنت أخبئه، مثل كنز، تحت وسادتي. أعجبت بلغة سلسة ومدهشة، لم أصادفها، وقتها، في باقي الكتب. ثم تورطت في الكتابة. قرأت لكتاب وشعراء آخرين، بعد نزار قباني. بعدها، مر ماء كثير تحت الجسر، لكن ذكرى هذا الكتاب ما زالت تلمع في ذاكرتي.
- عبد العزيز الراشدي: رواية «الوحش» لكاداريه
قرأت في مرحلة مبكرة رواية «الوحش» لإسماعيل كاداريه، وكانت إحدى الروايات التي أثرت في حياتي. ذلك التحفز والقلق والانتظار الذي يسم النص جعلني دائماً أكتب تحت وطأة الحاجة لإزعاج القارئ. كان الاستعمال الذكي أيضاً لأسطورة حصان طروادة وتحيينها ودمجها في السياق السياسي المعاصر، جزءاً من دهشة القارئ التي جعلتني أؤمن أن رسالة الأدب الفنية قد تتواءم مع رسالته الفكرية. يحفزني الشعر كذلك على الكتابة، ويجعلني أتحرر من قيود الجمل السردية ويرسم لي طريقاً خفيفة للكتابة خارج أي قيد.
المغرب كتب

الوسائط المتعددة