مفترق طريق جديد أمام السينما العربية المبدعة

الجمعة - 09 أغسطس 2019 مـ - رقم العدد [ 14864]

مفترق طريق جديد أمام السينما العربية المبدعة

غياب مهرجانات عربية روّج لمهرجانات أخرى
  • A
  • A
بالم سبرينغز: محمد رُضـا
القول بأن السينما العربية تقف على مفترق طرق لم يعد جديداً. لكنه قول يعكس الواقع تماماً. لنقل إنه مفترق طريق غير مفترقات الطرق السابقة. ففي الماضي كانت المسألة هي مجرد إثبات وجود للسينما العربية في أوطانها. نضال متواصل تقوم به السينما في كل بلد عربي لكي تعلن عن نفسها في دارها أولاً وفي مواجهة صعاب محلية بعضها رقابي وبعضها تمويلي وبعضها الآخر محض تجاري.

ودائماً ما بدا أن الموقف انتقل بما هو عليه من حقبة إلى أخرى كل منها مثّـل اتجاهات متعددة من دون أن يكون في صميم الحركة الإنتاجية ما يختلف جذرياً عن المرحلة السابقة ويحوّل مثل هذا الوقوف عند تلك الاتجاهات المختلفة إلى سير في أفضلها.

تغير الأمر صوب الأفضل عندما وُلد مهرجان دبي في عام 2004 وتطوّر سريعاً من نافذة مفتوحة أمام الإبداعات العربية إلى مُعين لها بعد سنوات قليلة إذ بدأ رصد مبالغ دعم عبر صناديق مؤهلة لمساعدة المنتجين والمخرجين العرب تحقيق أفلامهم. جاوره في ذلك مهرجان أبوظبي وأدت المنافسة بينهما إلى جبهة إنتاج كبيرة تركت أثرها سريعاً وعلى نحو إيجابي في عموم الدول العربية في منطقة الخليج كما في الدول العربية القريبة منها والبعيدة.

- ارتفاع منافسة ومنسوب إنتاج

في المبدأ لم يكن من وظيفة المهرجانات السينمائية دعم الأفلام والمشاركة بتمويلها. لكن مهرجان «صندانس» الأميركي ربما كان الأول في اختراق هذا المضمار ملاحظاً أن عليه مساعدة الكتاب والمخرجين في إنجاز أعمالهم، وإنه الأحق بذلك طالما أنه وُلد كمهرجان للسينمات الصغيرة والمستقلة. نجاح تجربة توفير دعم للسيناريوهات منذ أوائل التسعينات سرعان ما انتشر شرقاً وغرباً منه فإذا بمهرجانات كثيرة حول العالم تتبنّـى المبدأ ذاته مانحة مساهمات مالية، ولو محدودة، لمشاريع شابّة أو تراها مستحقة. بذلك لم يكن مهرجانا الإمارات إلا صياغة لما كان بدأ في الخارج أدى إلى ناحيتين إيجابيّـتين:

- مساعدة المنتجين والمخرجين على تحقيق أفلامهم وسد ثغرة تمويل واسعة في مشاريعهم عبر التوجه بها إلى صناديق دعم المهرجانين.

- مساعدة كل مهرجان على حدة توسيع نطاق عملياته واستقطاب السينمائيين على نحو التمويل مقابل امتلاك الحق الأول في عرض الفيلم حين إنجازه.

هذا أثمر عن رفع معدل المنافسة بين المهرجانين مما أدّى لرفع نسبة الأفلام العربية المنتجة وبالتالي إلى مساعدة السينمائيين العرب تحويل أحلامهم إلى حقائق واقعة.

وإذا ما أضفنا ما سبق إلى حقيقة أن المهرجانين رصدا، خلال سنوات كل منهما، ما مجموعه ملايين الدولارات كجوائز يتم توزيعها في نهاية كل دورة فإن الحاصل بالفعل كان نهضة غامرة لم يشهدها الفيلم الفني من قبل لا في منطقة الخليج العربي ولا في دول المحيط الأطلسي أو في أي دولة امتدت بين المنطقتين.

أدى توقف مهرجان أبوظبي المفاجئ إلى نكسة نسبية لمختلف الآمال التي بنيت عليه وانفرد بعدها مهرجان دبي كالمكان الأول بالنسبة للسينمائيين العرب يتوجهون إليه بمشاريعهم أو بأفلامهم المنجزة. لم يكن في البال مطلقاً أنه سيتوقف بدوره بعد سنوات قليلة وأن آخر دوراته حملت الرقم 14 سنة 2017. وهي السنة التي بلغ فيها المهرجان أوجه وحفل بنجوم الصف الأول في هوليوود وبينهم كيت بلانشِت التي حظيت بضيافة المهرجان طوال فترة إقامته.

كلا المهرجانين صدرا بقرارات رسمية فاعلة وتوقفا بقرارات رسمية مفاجئة وتوقفهما كان، سينمائياً، أشبه بانهيار في سوق العملات أو في حركة الأسهم في الأسواق الاقتصادية. السقف الذي تظلل به السينمائيون الإماراتيون والخليجيون والعرب الآخرين أُزيح كاشفاً عن وضع جديد ومتأزم: كيف يمكن للسينمات العربية المستقلة عن شروط السوق التجاري والبديلة لها أن تستمر من دون رعاية بمثل هذا الحجم والتنظيم؟

-- حصيلة موازية

الجواب هو أنها عادت إلى حيث انطلقت. بعضها يجد التمويل كاملاً في بلدانها وبعضها الآخر ينشده في الدول الأوروبية المجاورة. كلا الخيارين ليس جديداً. السينما العربية عرفت الدعم الداخلي ومثيله الأوروبي منذ عقود بعيدة، لكن الأذى كان على صعيد انحسار النشاط الذي وفرته حتى وقت قريب صناديق الدعم الكبيرة وانصراف المشاريع الجديدة التي أعلنت في أكثر من دولة خليجية لتمكين ذاتها من كسب رقعة الأسواق المالية وليس مساعدة المبدعين والأعمال الجديدة.

وأدى توقف مهرجان دبي، بحد ذاته، لا إلى كساد الإنتاج المحلي الذي كان بلغ أعداداً غير مسبوقة خلال عشر سنوات (2004 - 2014) بل أيضاً إلى كساد خليجي عام. صحيح أن الحال لا يخلو من أفلام تنتج هنا وهناك، خصوصاً وقد فتحت المملكة العربية السعودية، باب الإنتاج لمواهب سعودية واعدة وحثت على إقامة المهرجانات والمناسبات الداعمة للعمل الإنتاجي، لكن الخطوات التي أنجزتها السينما الخليجية والعربية بسببه تراجعت وتراجع معها الكيف والكم معاً.

كحصيلة موازية، ساعد غياب مهرجان دبي (الذي استفاد من دون أن يقصد من غياب مهرجان أبوظبي) أربعة مهرجانات على إحراز مكانات لم يكن من السهل لها إحرازها لو استمر مهرجان دبي أو لو تابع مهرجان أبوظبي مسيرته.

هذه المهرجانات الأربعة هي القاهرة وقرطاج والجونة ومالمو. كل منها على نحو مختلف.

كان مهرجان القاهرة في دوراته خلال العقدين الماضيين وزيادة يعاني من التهميش ومشاكل التمويل وصغر حجم المكافآت، مما دفع المبدعين العرب للتوجه إلى المهرجانات الخليجية (يمكن إضافة مهرجان الدوحة في هذا الإطار وهو بدوره كان توقف عن النشاط قبل توقف المهرجانين الإماراتيين). الآن، ومنذ ثلاث سنوات بدأ يستعيد بريقه ولو أن مشاكله المادية لم تحل جيداً بعد لكنه على الأقل عاد ليستقطب الكثير من اهتمام السينمائيين العرب.

بالنسبة لمهرجان قرطاج كان بدأ ترميم نشاطاته حتى من قبل توقف مهرجان دبي الذي ما إن غاب حتى حوّل المنافسة بينه وبين مهرجاني القاهرة والجونة المصريين. هذا الأخير انطلق في العام الأخير لمهرجان دبي وكبر سريعاً وعلى نحو دؤوب من دون مواجهة منافسة فعلية من أحد، خصوصاً وإنه خط لنفسه اتجاهاً مختلفاً من العروض والعلاقات العملية.

وحتى مالمو السويدي وجد نفسه الآن وقد تبوأ الصدارة بين المهرجانات العربية خارج حدودها.

إنها حركة مد وجذر وصعود وهبوط لكن هذا النشاط يعكس الجانب الإيجابي للإنتاجات العربية. أما الجانب السلبي فيتموضع في خانة خاصة به، ومفادها أن على الإنتاج العربي، لكي يتم، الاعتماد على تمويل الغرب (وبشروطه غالباً) وعلى مهرجاناته إذا ما رغب في الوصول إلى العالمية. العالمية التي كانت انتقلت شرقاً، في السابق، إلى دبي وأبوظبي.
أميركا سينما

الوسائط المتعددة