شاشة الناقد: تأتون من بعيد

الجمعة - 16 أغسطس 2019 مـ - رقم العدد [ 14871]

شاشة الناقد: تأتون من بعيد

  • A
  • A
تأتون من بعيد
• إخراج: أمل رمسيس
• تقييم: (ممتاز)
عربي في الحرب الإسبانية
إذا لم يكن اسم نجاتي صدقي معروفاً على أي صعيد فإن هذا الأمر له مسبباته التي حالت دون ذلك ومنها أنه لم يكن سوى شاب فلسطيني عادي انتمى للحزب الشيوعي في فلسطين في النكبة ثم ترك وطنه في منتصف الثلاثينات ليلتحق بالثورة الإسبانية ويخوض الحرب الأهلية التي نشبت هناك بين الوطنيين ذوي المنهج المحافظ المنتمين إلى عهد الملك فرنكو ونظامه وبين الجمهوريين الذين شملت مفارزهم على يساريين وشيوعيين ومنضمين جاءوا من بلاد أخرى (الولايات المتحدة وبريطانيا مثلاً).
انضم نجاتي للثوار عملاً بمبادئه اليسارية (وكان استقال من الحزب الشيوعي آنذاك) وحارب مع لفيف من العرب الذين قاموا كذلك بالانضمام إلى تلك الحركة المناهضة. المصادر التي استندت إليها المخرجة المصرية أمل رمسيس تقدرهم بنحو 1000 عربي، وبحثها هذا لم ينطلق من تقديرات عامّة وسريعة بل استغرق، حسب ما تؤكده، أكثر من عشر سنوات مضنية ساعية لتكوين عناصر فيلمها التسجيلي هذا على نحو يمكنها من تحقيقه.
خلال بحثها هذا عن حياة نجاتي صدقي تبين لها أنه خلف وراءه ابنتين واحدة اسمها هند وتعيش (منذ عدة سنوات) في اليونان والأخرى اسمها دولت وتعيش في موسكو. كلاهما لا يعرفان بعضهما البعض كونهما افترقا وهما فتاتان صغيرتان. لا هند تعرف الروسية (وإن كانت لا تزال تجيد العربية) ولا دولت تعرف اليونانية (ولا العربية).
تقوم أمل رمسيس بتناولهما كشخصيتين رئيسيتين في هذا الفيلم البديع. تكشف عن حقائق مؤثرة بمجرد التفكير في هذا الوضع القائم. تتحدث كل منهما عن الأخرى كما لو كانت سراباً وبالتأكيد كنسيم من الذكريات البائدة. هذا قبل أن تقوم المخرجة بجمعهما معاً للمرة الأولى منذ عقود طويلة مانحة الفيلم بصمة إنسانية مثيرة للتقدير.
تتناول المخرجة موضوعها بأسلوب هادئ. أحياناً أكثر بقليل مما يتمنى المرء خصوصاً بعد مرور نحو ثلث ساعة من بدايته. لكن التأثير الذي تتركه، سياسياً واجتماعياً وتاريخياً على المستويين الشخصي والعام يبقى واضحاً ومنهجها في البحث سليم حين تترجمه إلى لقطات من صور حية أو وثائق.
ويترك الفيلم بصمة أخرى عندما يربط، بذكاء، بين ما حدث لفلسطين سنة 1947 وبين تجاهل الغرب للحق العربي فيها أيام النكبة وما بعد.
محور هذا الربط هو ذلك نجاتي صدقي الذي وصف ما يقوم به في كتاباته إذ قال: «أنا متطوع عربي. أتيت إلى إسبانيا لكي أدافع عن القاهرة في برشلونة وعن دمشق في توليدو وعن بغداد في مدريد». كلمات قوية ونادرة في ذلك الحين يعود فضل اكتشافها إلى هذا الفيلم ومخرجته.

الوسائط المتعددة