شاشة الناقد: «الفزاعات»

الجمعة - 30 أغسطس 2019 مـ - رقم العدد [ 14885]

شاشة الناقد: «الفزاعات»

  • A
  • A
من فيلم نوري بوزيد «الفزاعات»
«الفزاعات»
• إخراج: نوري بوزيد
• تونس (2019)
• تقييم: (جيد)
«نساء داعش بعد الأسر»
هناك دائماً، في طيات الحروب منذ عمق التاريخ وإلى اليوم، حكايات لا نشعر بها أو نلم بها أساساً إلا من خلال العناوين الكبيرة للمآسي الحاصلة. الحرب ومن تشهده من معارك وقتال تغطي على تلك الحكايات الواقعية الصغيرة إلا في الحالات النادرة، وفي هذه الحالات فإن الحكاية الصغيرة تعرضها نشرات الأخبار أو ملحقاتها وتمضي بعد حين كما لو لم تكن.
منذ حين والسينما الروائية في العالم العربي تطل على الوضع الناتج عن الحرب السورية مقتربة من ذلك الداخل غير المطروح إعلامياً إلا في حالات محدودة. من تونس ذاتها كان المخرج رضا الباهي رصف الطريق بفيلمه «زهرة حلب» حول الممرضة (هند صبري). الآن نجد التونسي الآخر نوري بوزيد ينجز فيلماً جديداً عن الوضع يعرضه حالياً في مهرجان فينيسيا (مظاهرة أسبوع النقاد) لكن من زاوية مختلفة: شخصياته الرئيسية هن أناث انخرطن في الحرب بمعية رجالهن ليكتشفن أنهن لسن سوى سلعة جنسية تفي بحاجة المحاربين لتفريغ الكبت الناتج.
هذا وحده كاف لإحداث ردّة فعل حازمة وبأسلوب المخرج بوزيد الذي لا يهاب أن تقترب الكاميرا من الواقع الذي يعرضه، فإن الوقع قاس وعنيف لكنه، بالطبع، ليس قاسيا أو عنيفاً كما الفعل الواقعي. يتحدث بألم عن ضحايا بطلاته، لكن مهما فعل فإنه لن يستطيع الوصول إلى مستوى الألم الذي تعيشه بطلاته ومستوى المعاناة النفسية والإنسانية التي مرت عليهن ولا تزال حتى من بعد أن عاد بعضهن إلى مجتمعاتهن وأسرهن.
يعرف بوزيد الألم الناتج عن السجون فهو خرج من سجنه إبان قيامه بإخراج عمله الأول «رجل من رماد» (1986) الذي روى فيه وقائع مرّة شهدها أو حدثت له خلال سجنه. المشهد الأول لنساء يتم دفعهن لغرفة معتمة وإغلاق الباب عليهن يذكر بذلك لكن هذا هو الخيط الشخصي الوحيد الرابط بين المخرج وبين فيلمه هذا وهو ينطلق منه ليصوّر، في فيلم لا يلعب فيه الرجال غالباً سوى أدوار صغيرة ووحشية، ماذا يحدث لهؤلاء النساء وكيف. لا يهتم المخرج كثيراً بلماذا لأنه (على الأرجح) لا يريد خوض أسباب الحرب. في الوقت ذاته هو فيلم لا يتوانى عن مهاجمة «داعش» وما يحمله من تطرّف تسبب في المآسي التي لا حصر لها.
بعد المنوال المستمر لاعتداءات الداعشيين على النساء (بينهن طبيبة ومحامية) يُطلق سراحهن محملات بالإهانة والآلام النفسية والجسدية المبرحة. يتوجهن إلى محامية (عفاف بن محمود) وإلى طبيبة (الممثلة الجيدة دوماً فاطمة بن سعيدان) طلباً لمساعدتهما في كيفية التأقلم مع المجتمع من جديد علماً بأن المجتمع هو المطالب بالتأقلم معهن لأنهن لم يكن سوى ضحايا. بعضهن، في الواقع، ما زلن غير واثقات من خطواتهن التالية وربما كن يغازلن فكرة البقاء في كنه التطرف خوفاً.
يعاني فيلم بوزيد من فجوات كتابة ومن تصوير لا يخلو من التكلّف. لا داعي لأن تقترب الكاميرا دوماً من الوجوه والأجساد لندخل نفسياتها ومعاناتها، لكن الفيلم يفعل ذلك ويطيح بإمكانية التعامل مع الواقع من دون إقحام.

أخبار ذات صلة



الوسائط المتعددة