«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (2): كاترين دينوف وجولييت بينوش تتواجهان في فيلم الافتتاح

الجمعة - 30 أغسطس 2019 مـ - رقم العدد [ 14885]

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (2): كاترين دينوف وجولييت بينوش تتواجهان في فيلم الافتتاح

يبحث عن الحقيقة في طيات علاقات متوترة
  • A
  • A
فينيسيا: محمد رُضـا
الموضوع العائلي، بعلاقاته الشائكة، محفور في عدد ملحوظ من أفلام المخرج الياباني هيروكازو كوريدا. في فيلمه الجديد «الابن كالأب» (2013) وفيلمه المتوسط «الشقيقة الصغيرة» (2016) كما في فيلمه الذي نال سعفة مهرجان «كان» في العام الماضي وهو «سارقو المحال» (Shoplifters)، هناك ذلك المحور الذي تدور من حوله الأحداث ومفاده العائلة والأسرار التي تجري من تحت جسورها مخفية وخفية إلى أن تكشفها مواجهة لم يتنبأ بها أحد.

كوريدا (57 سنة) لا يعرف الإنجليزية ولا الفرنسية لكنه عندما سنحت له فرصة تحقيق أول فيلم له خارج اليابان لم يتأخر. الفيلم هو «الحقيقة» الذي افتتح الدورة السادسة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي.

لومير (جولييت بينوش) كاتبة سيناريو تعيش في نيويورك مع زوجها الممثل هانك (إيثان هوك) وابنتهما الصغيرة (كلمنتين غرنييه). وأحد المشاهد الأولى للفيلم يصوّر وصولهما للبيت الكبير الذي تشغله أم لومير، الممثلة المعروفة فابيان (كاترين دينوف). وينتهي الفيلم بلقطة فوقية للعائلة وهي تغادر المكان بعد أن أمضت فيه بضعة أسابيع.

اللقطتان تقعان في حديقة المنزل. شيء من التوقع يصاحب الوصول وقدر من الحزن يصاحب الرحيل. ما بينهما حكاية تعتمد على العلاقة بين الأم وابنتها، شغل كوريدا المعهود في بعض أفلامه.

فابيان ما زالت، كما كاترين دينوف ذاتها، تعمل كثيراً. لقد عاصرت مخرجين كثيرين. وفي مطلع الفيلم، مباشرة قبل مشهد وصول عائلة ابنتها، نجد فابيان تجيب على أسئلة صحافي غير متمكن من أدوات عمله. يسألها المعهود وترد عليه ببرود، وأحياناً ما ترسم علامات وجه متعجبة من سذاجة الأسئلة.

هل كان سيختلف الوضع لو تم تقديم الصحافي الذي يجري المقابلة على نحو إيجابي؟ ليس بالضرورة ما يجعل اختيار صحافي ساذج وغير ملم مقصوداً لغايته. لا بأس سريعاً ما ينساه الفيلم (ومعظم المشاهدين) وتتقدم الحكاية بعيدة عنه. لا يبقى من المشهد سوى وجود غير مبرر.

الأوراق الخفية لنوعية العلاقة بين الأم وابنتها تتبدّى سريعاً بعد ذلك انطلاقاً من كتاب سيرة صدر حديثاً للممثلة حول حياتها وعلاقاتها وأعمالها. عندما تقرأ الابنة مذكرات والدتها تُصاب بالهلع لأن أمها ذكرت أشياء لم تقع على أساس أنها حقائق من بينها أنها كانت كثيرة الاهتمام بابنتها. أمر يشكل سبباً لمواجهة بين الأم وابنتها لا تكترث فيه الأولى حتى للدفاع عن نفسها. في مشهد آخر تتحدث عن زوجها وعلاقاتها كما يحلو لها. عندما تواجهها الابنة ببعض الأسئلة في هذا المجال ترد عليها الأم بأنها لم تعتذر يوماً لأحد «خصوصاً الرجال».

زوجها السابق يدخل ويخرج من الفيلم بعد مشاهد قليلة. هو هناك لإضاءة علاقة أخرى غير متجانسة في حياة فابيان. هو والد لومير الذي يصل بلا دعوة ويقرر المغادرة بلا وداع. بعض السبب هو أن المخرج كوريدا يريد التركيز على المواجهة بين الأم وابنتها، وبين الأم وعملها فهي تصوّر دورها في فيلم جديد لاعبة دور الأم المريضة. على عكس الحياة ستجد الجرأة المطلوبة لتعتذر من ابنتها في الفيلم ولن توفر أي اعتذار من ابنتها الفعلية.

دور إيثان هوك في الفيلم كان يمكن تسخينه قليلاً. هو هناك لتوسيع دائرة الشخصيات التي تتعامل والأزمة الحاصلة. يكمل الصورة لكنه يبقى أقرب إلى أميركي ساذج خصوصا أنه يؤدي شخصية ممثل طموح لنقلة نوعية في حياته لم تحدث بعد و- غالباً - لن تحدث.

فيلم من مغترب

كون شخصيته لا تحتوي على أكثر مما تبديه، فإن موهبة هذا الممثل مهدورة في مواقف معهودة. يضحك هنا. يلاعب ابنته هناك. يتحدث لزوجته. لكن لا شيء يمثل أبعاداً أو يتوقف ليشرح ظروفاً. لا نعرف لماذا هو ممثل فاشل ولماذا هو سريع الاعتراف بذلك. دوره هنا هو شاهد على ما يدور من دون أن يكون له الحق (كما تنهره زوجته في أحد المشاهد) بالتدخل بينها وبين والدتها.

الفيلم ليس فيلماً لكوريدا الذي نعرف. صحيح أنه يتعامل مع العائلة المفككة إلا من روابط متردية إلا أن الثقافة التي يوفرها تختلف عن ثقافته الأصلية. الفيلم فرنسي بالكامل كتابة وتنفيذاً وتوليفاً، لكن روح المخرج ليست موجودة. وكاثرين دينوف (التي تكرر شخصيتها الحالية كأيقونة الممثلات الفرنسيات ولو باسم مختلف) صرحت في المؤتمر الصحافي أن حقيقة أن كوريدا لا يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية جعل الجميع يتعامل مع بعضه البعض بالإشارة.

لا نجد صعوبة التواصل متوفرة في أمثلة محددة أو في مشاهد معينة، لكن ما نشاهده هو أن الفيلم لا ينتمي إلى كوريدا بل ينتمي إلى صناعة فرنسية كحال ما قام به المخرج الإيراني أصغر فرهادي عندما قام بتحقيق فيلمه الأخير «لا أحد يعلم» في إسبانيا ومع ممثلين إسبان.

«الحقيقة» هو فيلم يبلور مواقف يحب الغربيون (الأوروبيون تحديداً) مشاهدتها ويقبلون عليها بحب وشغف. هذا يبدأ من النقاد الذين وجدوا الفيلم هنا شبه تحفة ويمتد للجمهور الشاسع في أوروبا الذي يهوى الدراما العائلية المحلاة بنجمتين محبوبتين واحدة مخضرمة ما زالت نجمة والثانية من جيل لاحق ما زالت بدورها في المستوى ذاته.

«الحقيقة» لا يزال عن حقيقة مخفية ترتفع الستارة عنها بالتدرج شأن أعمال المخرج السابقة. لكنه أقل أهمية من فيلم «سارقو المحال» أو من «الابن كالأب» (Like Father‪، ‬ Like Son) كونهما تمتعا بمعرفة أوسع بما هو ياباني. الفيلم، بذلك، عمل مغترب كمخرجه. نعم، يحمل الفيلم الإيقاع الجيد وسلاسة عناصر العمل ويبرز خانات التوتر بين الأم والابنة وبين الابنة وزوجها (كما بين الأم والآخرين جميعاً) إلا أنه فيلم فرنسي من دون أن يكون أفضل الأفلام الفرنسية المماثلة.

هذا يفسر البرود الذي يتسلل إلى مفاصل الفيلم. كوريدا يخفق في إثارة الاهتمام طوال الوقت كما يخفق في توفير عناصر ساخرة مبطنة كاملة بل يكتفي بعرض الحكاية مع محطاتها وشخصياتها.

معظم التصوير داخلي والمشاهد مؤطرة بحركة كاميرا مقبولة لكن بقليل من دخولها للعب دور آخر غير ذلك.
إيطاليا إيطاليا أخبار

الوسائط المتعددة