علماء «كاوست» يكشفون عن الآثار المترتبة للهجرات اليومية للأسماك على دورة الكربون العالمي

الاثنين - 02 سبتمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14888]

علماء «كاوست» يكشفون عن الآثار المترتبة للهجرات اليومية للأسماك على دورة الكربون العالمي

مصدر جديد له يدعم مجتمعات الكائنات الدقيقة في أعماق البحر
  • A
  • A
جدة: «الشرق الأوسط»
رغم أن اكتشاف الكربون قد تم في عصور بعيدة منذ أن كان القدماء يحصلون عليه بحرق المواد العضوية بمعزل عن الأكسجين لتصنيع الفحم، إلا أنه لم يصنف كعنصر حتى عام 1789 على يد العالم الفرنسي أنطوان لفوازييه. وكلمة كربون (كربو) تعني باللغة اللاتينية «الفحم».

السمك والكربون

وبالعودة إلى الحاضر وداخل مختبرات جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) فإن أول التحليلات المتعمقة للكربون العضوي الذائب (DOC) الذي يدور في البحر الأحمر، تشير إلى أهمية دور أسراب الأسماك المهاجرة في دعم الكائنات الدقيقة في قاع البحار، وربما في دورة الكربون العالمية، وهي العملية التي ينتقل فيها الكربون من الغلاف الجوي إلى الكائنات الحية، في الأرض والبحار ثم يعود مرة أخرى للغلاف الجوي.

وتُعد «مضخة الكربون البيولوجية» (العملية التي يتحوَّل بها ثاني أكسيد الكربون إلى كربون عضوي عن طريق البناء الضوئي، ثم يُصدر من خلال الجسيمات الغارقة، ويتراكم أخيراً في أعماق المحيط) عملية دورية يجري فيها إصلاح الكربون غير العضوي الموجود في الغلاف الجوي بواسطة أشكال الحياة البحرية، ونقله عبر طبقات المحيط إلى الأعماق والرواسب المحيطية. وكان يُعتقد أن الأسماك التي تتغذى قرب سطح الماء في أثناء الليل ثم تعود في النهار إلى المياه متوسطة العمق (على عمق 200 إلى 1000 متر تحت سطح الماء) تؤثر في دورة الكربون، لكن لم يُدرَس قط مدى إسهامها في هذه العملية.

أخيراً أثبتت الدكتورة ماريا كاليخا، التي تهدف أبحاثها إلى فهم تدوير ونقل المادة العضوية في البيئة البحرية، والبروفسور خوسيه أنكسيلو موران، من مركز أبحاث البحر الأحمر التابع لكاوست، وزملاؤهما تأثير هذه الهجرة اليومية على الحركة الرأسية للكربون في البحر الأحمر، وكيف أنها توفّر الوقود اللازم لعمليات الاستقلاب (المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل خلايا الكائنات الحية) في الكائنات غير ذاتية التغذية التي تتألَّف من خلية واحدة بدائية النواة، وتنتمي إلى نوع البكتيريا والبكتيريا القديمة.

أسماك البحر الأحمر

تشير كاليخا إلى دراسة سابقة حيث اكتشف اثنان من زملائها، هما عالم الأحياء البحرية الدكتور أندرس روستاد، والبروفسور شتاين كارتفيت، مجتمعاً من الأسماك في البحر الأحمر، يهاجر كل ليلة من عمق نحو 550 متراً إلى المياه السطحية من أجل التغذية. وتضيف: «أردنا معرفة كيف يمكن أن تؤثر هجرة هذه الأسماك على مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش على الأعماق نفسها، وكان هدف مشروعينا البحثيين استجلاء ذلك بجمع البيانات من موقع واحد للعينات في البحر الأحمر».

تناولت الدراسة الأولى الاختلافات الرأسية في تركيز الكربون العضوي الذائب، وتدفق الكربون عبر مجتمعات الكائنات الدقيقة عند 3 طبقات محددة في عمود الماء خلال النهار (عمود الماء هو مصطلح مفاهيمي لعمود ممتد من السطح حتى القاع ينقسم إلى 5 طبقات ويستخدم في الدراسات البيئية التي تقيّم طبقات الماء). وعلى مدار 8 أيام، راقب الفريق بعض السمات، مثل استهلاك الكربون العضوي الذائب، ونمو الكائنات بدائية النواة، وتركيب مجتمع الكائنات الحية في عينات المياه الطبيعية المأخوذة من المياه السطحية، وطبقة المياه العميقة حيث تستريح الأسماك في أثناء النهار، والطبقة المتوسطة على عمق 275 متراً.

كانت كفاءة النمو البكتيري في أعماق الطبقات الثلاث أعلى كثيراً مما كان مقدراً في السابق، وتوضح كاليخا أن هذا يشير إلى وجود مصدر للكربون العضوي الذائب سهل الاستغلال - أي مصدر مستساغ، وسهل التكسير بواسطة البكتيريا - يساعد على تكوّن الخلايا الكبيرة. ووُجد أيضاً أن مجتمعات البكتيريا غير ذاتية التغذية في طبقة المياه متوسطة العمق أكثر نشاطاً من نظيرتها الموجودة في المياه السطحية.

أما البحث الثاني، الذي قادته باحثة ما بعد الدكتوراه في كاوست، الدكتورة فرانشسكا جارسيا، التي تعمل الآن في جامعة إكستر، فقد تتبع التغيرات التي تحدث على مدار 24 ساعة بامتداد عمود الماء، بأخذ عينات من 12 عمقاً مختلفاً (من 5 إلى 700 متر) كل ساعتين.

وتضيف كاليخا أن الفريق البحثي حلل ديناميكيات الانتقال بين الكربون العضوي الذائب والبكتيريا وتحركات الأسماك في أثناء دورة 24 ساعة.

استخدم الباحثون تقنية قياس التدفق الخلوي التي تستخدم لفحص الأجسام الدقيقة، لتحليل أحجام خلايا الكائنات الدقيقة وتركيب المجتمع بدقة زمنية عالية، مما أظهر درجة أعلى من المتوقع لتنوع الكائنات الدقيقة في المياه متوسطة العمق، وقد تكون هذه المجتمعات الميكروبية العميقة أكثر ديناميكية مما كان يُعتقد في السابق، بفضل النقل النشط للكربون من مصدر الكربون الذائب المتاح بواسطة الأسماك.

وتتساءل كاليخا أنه إذا كان هذا ما يحدث في البحر الأحمر، فهل يمكن أن يكون الأمر كذلك أيضاً في أحواض بحرية أخرى، وفي المحيطات المفتوحة؟ قد تكون لذلك دلالات غير مسبوقة على دورة الكربون في محيطات العالم.

من جانبه، يوضح موران أن الدراستين جزء من مشروع بحثي أوسع يهدف إلى تحديد أثر هذا المسار المختصر للكربون على الدورة الحيوية الجيوكيميائية العالمية.
السعودية السعودية

الوسائط المتعددة