«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (7): أفلام عربية تسبح على ضفاف الجندول

الجمعة - 06 سبتمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14892]

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (7): أفلام عربية تسبح على ضفاف الجندول

تحتوي على سيناريوهات جميلة ومختلفة
  • A
  • A
ڤينيسيا - محمد رُضـا
شهدت السينما العربية اهتماماً كبيراً في دورة فينيسيا الحالية (رقم 76) وهي التي واظبت في السنوات العديدة السابقة على الحضور ومحاولة الخروج بنجاحات إعلامية وفنية كبيرة. العودة إلى تلك السنوات سوف تنتج عنها قائمة بعشرات الأفلام التي وجدت في فينيسيا، وليس في سواها، منصّة صحيحة للعرض طرحت فيه أعمالها، وخرجت أحياناً بجوائز.

لكن هذه السنة تحديداً جاءت المنصة أوسع من مثيلاتها في معظم سنوات الأعوام الماضية. ضمّت ثمانية أفلام متنوعة، سعودية وإماراتية وسودانية وأردنية ولبنانية وتونسية.



بانوراما

البداية كانت مع فيلم هيفاء المنصور «المرشحة المثالية» الذي كان ثاني فيلم عرضه المهرجان في مسابقته الرئيسية. دراما اجتماعية تهم المرأة السعودية وتهم المجتمع السعودي وتهم الغربيين الذين يواكبون التطورات التي تقع في ذلك المجتمع. المنصور عرفت كيف تقدم حكاية طبيبة تواجه الصد في بعض الحالات من قبل مفاهيم متراكمة في مهنتها وكيف أن ذلك لا يمنعها من ترشيح نفسها لمنصب رئيس البلدية. وهي تعرف أكثر من سواها بجوانب هذا الموضوع وقدّمت في نهاية الأمر، وكما أشرت في حينه، فيلماً فيه من حسنات العمل ما ينجز ما وعدت به مشاهديها على نحو كاف.

المرأة أيضاً كانت في فيلم «سيدة البحر» (سُمي للتسويق العالمي بـScales) وهو فيلم إماراتي الإنتاج لمخرجة سعودية أيضاً اسمها شهد أمين.

هذا الفيلم يختلف تماماً عن فيلم هيفاء المنصور في كل شيء ما عدا اهتمامه بالمرأة. والفروقات الأهم شأناً ليس في أنه الفيلم الأول لمخرجته، بل إنه يقوم على فانتازيا حول تقاليد تقديم الفتيات كأضحية لوحوش بحرية. بالتالي هو فانتازيا لا يدّعي مطلقاً أنه واقع. تم تصويره في عُمان لكنه لا يحدد المجتمع المعني ولا البلد الذي تقع فيه الأحداث ويتوجه إلى البحث في كيف أن الفتيات يجدن أنفسهن معرضات لممارسة لها جذور بدائية تعاملها كضحية لا بد لها أن تمتثل فيها للتقاليد.

إغراق الفيلم في الترميز والخيال ليس غريباً على أفلام تريد توظيفها لصالح تقديم رسالة لا يمكن توفيرها، بهذا المنظور وبذلك التعبير الإبداعي، إلا من خلال تحريك الخيال وتغريب الواقع وهو ما فعلته شَهد أمين جيداً وبأسلوب بصري ساحر.

أمجد أبو العلا مخرج سوداني واظب على العمل في الإمارات محققاً أفلاماً قصيرة عدّة بعضها عرض في مهرجان دبي وبعضها الآخر في مهرجان أفلام الخليج والآن، وبعد توقف هذين المهرجانين اللذين كانا من أهم إنجازات الحياة السينمائية في العالم العربي، ها هو ينجز فيلمه الروائي الطويل الأول «ستموت في العشرين».

اقتبس المخرج مادته من رواية «النوم عند قدمي الجبل» لحمور زيادة حول شاب في بلدة سودانية صغيرة حكمت عليه منذ مولده بأنه سيموت في العشرين من عمره أو دون ذلك. الوعد يحوّل حياة الشاب إلى خوف شديد إذ يحصي السنوات القليلة التي تبعده عن ذلك السن. لكن الحقيقة تتبلور في محيطه ويدرك أن حياته لن تنتهي لمجرد نبوءات. يلتقط المخرج مفردات مرهفة ويعالج موضوعه، الذي يتعرض فيه للصوفية وطرقها، بجمالية مفاجئة. والفيلم، عدا كل ذلك، تم تقديمه (في تظاهرة «أسبوع النقاد») كفيلم سوداني. واحد من المرات النادرة على أي صعيد في بلد لم يشهد نهضة سينمائية من قبل.



تجارب أخرى

في التظاهرة نفسها الفيلم اللبناني «جدار الصمت» لأحمد غصين معالجة ذكية لموضوع الحرب بين لبنان وإسرائيل. دولتان على حدود واحدة في أحداث تقع في العام 2006 حول بضع شخصيات محبوسة في منزل احتله الإسرائيليون. لا بطولات من أي نوع بل واقع معالج برغبة إنجاز فيلم يعرض الوضع الذي يتناوله المخرج بكفاءة. الفيلم يستفيد، إعلامياً، من الحال الراهن مع التوتر القائم على الحدود بين الدولتين.

هذا هو الفيلم الأول للبناني غصين كذلك الحال مع المخرجة التونسية منال لبيدي التي قدّمت هنا فيلم «أراب بلوز» حول امرأة تونسية (الإيرانية غولدشفته فرحاني) درست وعملت في حقل الطب النفسي في فرنسا لعدة سنوات ثم عادت إلى تونس لتفتح لنفسها عيادة في هذا الاختصاص، فإذا بها تكتشف أن المحيط الاجتماعي من حولها، وحسب تعبير الفيلم، يحتاج للكثير من العناية.

يعمد الفيلم إلى الكوميديا ليقدّم شرائح من مشاكل الناس كما من مشاكل الطبيبة في محيطها الجديد.

كان الفيلم بحاجة إلى سيناريو أدق في تعامله مع شخصياته عموماً، لكن النتيجة - رغم ذلك - ليست رديئة بل تقدم للسينما التونسية مخرجة جديدة لديها ما تود التعبير عنه وتفعل ذلك بقدر لا بأس به من الإجادة.

من تونس أيضاً، وكما تقدم معنا في هذه الصفحة في الأسبوع الماضي، فيلم نوري بوزيد الجديد «الفزاعات» الذي يتطرق فيه، وليس للمرّة الأولى بالنسبة إليه أو إلى السينما التونسية، لموضوع الإرهاب ومشاكله والتشدد الديني. في هذا الفيلم يوفر مأساة النساء اللواتي انضممن إلى «داعش» أو اللواتي اختطفن ليجدن أنفسهن وقد تحوّلن إلى سبايا وتعرضن للاغتصاب الفردي والجماعي. موضوع صارم في إطار أكثر صرامة ويحتاج إلى تحمّل وجَلَد لمشاهدته.

والتونسي مهدي برصاوي يعرض حكاية صبي في العاشرة من عمره يُصاب بطلق ناري في فيلم «بيك نعيش». الإصابة تتطلب عملية زرع كبد جديد وهذا سرعان ما يكشف عن خلافات عائلية مفاجئة تهدد حياته. من هنا يفتح المخرج بؤرته على الأوضاع التونسية بعد نحو سنة من ثورة الربيع التونسية سنة 2011 ليؤكد أن القليل تغير والكثير ما زال كما هو على نحو أو آخر.

الفيلم الأردني «سلام» هو فيلم قصير من إنتاج ماري جاسر التي عرفت سابقاً ببضعة أفلام ناجحة من إخراجها (آخرها «واجب») ومن إخراج زين درعي وموضوعه نسائي يتمحور حول اكتشاف امرأة (ماريا زريق) بأن زوجها لا يستطيع الإنجاب وهي التي تمنت طويلاً أن تنجب أطفالاً. عليها، حسب الفيلم، أن تجد حلاً.

معظم هذه الأفلام سينطلق من هنا ليخوض تجارب أخرى مع مهرجانات عدة قادمة. بعضها سيتوجه إلى تورونتو وبعضها الآخر إلى لندن وربما صندانس لاحقاً (في مطلع العام المقبل). كذلك فإن العديد منها سيتوجه لمهرجانات الجونة وقرطاج والقاهرة. والمهرجان الأخير يعد بأن يتحوّل إلى بيت للسينما العربية. يقول رئيسه المنتج محمد حفظي لهذا الناقد:

«بغياب مهرجان دبي صار لزاماً أن يقدم مهرجان عربي آخر على تبني الحجم الكبير من الأفلام العربية التي كانت تقصده. وأرى القاهرة المكان المناسب لذلك».
سينما

الوسائط المتعددة