لعبة التقمص وقناع الآخر في مرآة حلمي سالم الشعرية

الأحد - 08 سبتمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14894]

لعبة التقمص وقناع الآخر في مرآة حلمي سالم الشعرية

يوفران للشاعر مساحة أرحب لمناورة العالم ومناوشة العناصر والأشياء
  • A
  • A
جمال القصاص
يقترب حلمي سالم في تعامله مع الشخوص، وكيفية استدعائهم واستحضارهم في نصه الشعري، من فكرة التقمص، وأتصور أنها معول مهم ومؤثر في تجربته الشعرية، ومقوم أساس، خاصة في تعامله مع الآخر شعرياً. ولا تعنيني هنا التفسيرات المتباينة للتقمص، التي تصل به في الميثولوجيا الشعبية إلى تناسخ الأرواح، وإنما يعنيني التقمص كحيلة وأداة فنية تمكن المبدع من هضم وسبر أغوار الشخصية، واحتواء فضاءاتها وأزمنتها ومظاهرها الداخلية والخارجية، ومحاولة خلق مجالات إدراك جديدة لها في النص، تماماً مثلما يحدث على خشبة المسرح أو السينما؛ حيث يصبح التقمص علامة تميز واقتدار تكشف مقدرة الممثل على احتواء الشخصية وتجسيدها، وفي الوقت نفسه يصبح التقمص وسيلة للإقناع والإمتاع والجذب.
على ضوء ذلك، يستحضر حلمي سالم الشخوص في شعره من زوايا عدة، فأحياناً تتقاطع الشخوص بشكل عابر مع الحالة والمشهد، أو تظل قابعة كحضور معلق على هامش الإيقاع الداخلي للنص، وأحياناً تأتي كشاهد عيان يمنح النص مسحة توثيقية إنسانية، ويدعم فعالياته الرؤيوية والتشكيلية، وأحياناً تأتي لتكثيف حقول الرمز والدلالة، وأحياناً تأتي كمفتاح أو علامة للإمساك بالتجلي الأبعد والأعمق للنص، وهنا يتحول التقمص إلى قناع للنص نفسه؛ حيث يوفر للشاعر مساحة أرحب لمناورة العالم ومناوشة العناصر والأشياء. فالنص من وراء القناع يملك حيوية التصريح والتلميح، والمغامرة سواء بالطفو فوق السطح أو بالغوص في الأعماق. ناهيك عن أن القناع مسبقاً، وخارج النص، هو موضوع قائم بذاته، له محمولاته التراثية والفكرية والإنسانية المستقرة، واقتحام النص الشعري له لا يعني بالدرجة الأولى تعريته وإسقاط كل هذه المحمولات عنه، وإنما يعني احتواءه في ثوب جديد، في علاقة تضايف، تعلي من قيم المشترك الجمالي، وتعتد حتى بنوازع التغاير والاختلاف معه.
مبكراً أدرك حلمي سالم هذه الحيلة الشعرية، ورفدها ضمن حيل عديدة لإغناء مغامرته الشعرية... ففي ديوانه المبكر «الأبيض المتوسط» يستدعي صورة الناقد المعروف الدكتور عبد المنعم تليمة، أحد الروافد الأساسية التي دعمت تجربة شعراء السبعينيات في مصر. يقول حلمي في إحدى قصائد هذا الديوان معبراً عن اعتزازه وحبه للدكتور تليمة: «أشاهد الذي يجدلُ العباءة السوداء/ أسميه عبد المنعم تليمة:/ يصبُّ في جعبة القوم شيئاً من البقول/ يصنعُ الطائرَ البحري.. يطلقه في الرمادي المستطيل/ يعجنُ الصلصالَ راقصاً»، وفي الديوان نفسه يحتفي بالمغني الثوري المعروف الشيخ إمام، على هذا النحو: «سأسميه الشيخ إمام عيسى/ كعكٌ وقلة، ثريدة مباحة/ واقفٌ في سبيكة الجموع والمعذبين».
اللافت هنا أن التصريح باسم الشخص لا يؤكد معنى الحفاوة الشعرية فحسب، وإنما يؤكد في الوقت نفسه أنه أصيح حميمياً وعضوياً في النص، من دونه ربما يختل ميزان الموسيقى، وتضطرب الرؤية. وعلى العكس من ذلك، وفي إحدى قصائده من مجموعته الشعرية الأخيرة «معجزة التنفس»، يلجأ حلمي إلى التمويه على الاسم، ويستحضره من قبيل التماثل والتشابه في الحالة والظرف الحياتي الشخصي، تاركاً للقارئ حرية التخمين والتأويل. ففي إحدى قصائد هذه المجموعة بعنوان «خبائث الحكومات» يستدعي الشاعر أمل دنقل، ويحاوره من تحت عباءة المرض، مستهلاً قصيدته متضمناً إشارة خاصة لإحدى قصائد أمل الشهيرة، وهو في صراعه مع مرض السرطان يقول فيها:
«في غُرَفِ العمليات
كان نِقابُ الأطباءِ أبيض،
لونُ المعاطفِ أبيض،
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ، أردية الراهبات
الملاءاتُ،
لونُ الأسرة، أربطة الشاشِ والقُطْن»
يقول حلمي سالم: «قال عازفٌ من قبل: تاج الحكيمات أبيض، فأخذته الحكيمات إلى حيث يعرف... وحيث يشكر زرقاء اليمامة على نبوءتها، ويعتذر لها عن غباء الذين لم يسمعوا النُّصح».
يقترن الحضور المستتر لأمل دنقل هنا بحضور سؤال مكثف من نوع خاص، يختصر مساحة الخلاف بينهما، ويعزز من قيمة المشترك، سواء على المستوى الشعري أو الإنساني، فكلا الشاعرين تعرض لمحنة متشابهة ومريرة مع المرض، ورحلا وهما في أوج عطائهما الشعري. ورغم ذلك لا يزال السؤال معلقاً بينهما، يتسلق أسوار الذاكرة والحلم.
في سياق القصيدة نفسها، وأيضاً على سبيل التلميح، يستدعي صورة الفنان التشكيلي عدلي رزق الله، وهو أيضاً عانى من محنة المرض حتى رحيله... يقول عنه: «وقال عازف من قبل: أنا المائيات، فقاسمته عمره: الوردة، والنخلة، وتمْرُ والكنيسة، وشهاداتُ الغضب. هربتْ كل لوحة بجزء من فتاها، حتى لم يعد للفتى من نفسه قطعة»... إن استحضار الشخصية في نموذج أمل ورزق الله لا ينفصل عن عالمها ومفرداتهما الخاصة، فهي تحضر في النص مغفورة به، ومغمورة فيه، وتنحصر مهمة النص في خلق مجالات إدراك جديدة لها، في استضافتها والاحتفاء بها على شرف النص نفسه، بينما في نموذج تليمة والشيخ إمام، نجد النص نفسه هو الذي يسبغ عليهما شارات الحفاوة، وكأنهما قلادتان تزينان معصمه. لذلك يغلب على حضورهما في النص سمت السكون والثبات، على عكس الحيوية والحركة التي يتسم بها حضور أمل ورزق الله، وربما في هذا مؤشر على كيفية نضج التجربة والخبرة شعرياً، وتنوع تقاطعات مساراتها في مسيرة الشاعر نفسه.
ومن بين أعمال حلمي سالم الشعرية الغزيرة، يمثل ديوان «عيد ميلاد سيدة النبع» أرضاً خصبة لتكنيكات استحضار الشخوص في النص، ما بين التقمص واستخدام القناع والتضمين الإشاري الخاطف والمعارضة الشعرية، يبرز هذا على نحو خاص في المقدمة الاستهلالية للديوان، بعنوان «تحية وعرفان»، حيت يتوجه فيها الشاعر بالشكر والتحية إلى هيئات ومؤسسات وأقسام شرطة وأمكنة وشواطئ بعينها، كنوع من العرفان أو حتى السخرية، وذلك «للدور البارز الذي قامت به من أجل ظهور هذا العمل إلى دائرة الضوء»، ثم ينوه على حد قوله بأن «الشخصيات في هذا النص هي الشخصيات الواقعية عينها... فليتحسس كل منا رأسه. وليتفحص واحدنا نفسه».
فهكذا، وعلى طريقة الوخز الدرامي والتشويق يحفز الشاعر قارئه على الدخول في النص موحياً له بأنه سيكون أمام لغز، وعليه أن يفك شفراته وأسراره بطريقته الخاصة... ومن ثم، يقول في قصيدة بعنوان «نسج القمصان أثناء مرور الجنازات»، وفي إيقاع يشبه المرثية الجماعية: «تمر الجنازات أمام عينيها/ جنازة الحب وجنازة الكره/ جنازة الحب عامرة بالنعوش البيضاء وسعفات النخيل والحوامل وأطفال الكنائس الذين يخفون المعاصم خشية احتقان الطوائف/ جناة الكره عامرة بالمرابين وأشجار الزنزلخت والبيارق السوداء والعموديين والصّاغة والحاصلين على جوائز التفوق/ فتنخرط امرأة في نسج قمصان العرس/ تمر الهوادج أمام عينيها: هودج للفتاة التي طردت حرافيش العائلات من حفل الخطوبة حتى لا يغيم الطقس/ وهودج للسيد ياسين/ وهودج للجنة الإفتاء التي صادرت الوليمة/ وهودج لاكتئاب المخدر الكلي/ وهودج للأنثى التي أرسلوها للمورستان/ وهودج لأمنية المهندسات بالهودج/ وهودج لزاهية».
إن استحضار الشخوص يتم من منطق شهود العيان، ليس فقط على النص، أو اشتباكاته مع الواقع الخارجي، وإنما أيضاً على ما يمور داخل الذات من مشاعر الفقد والإحباط والأسى والمرارة. ولذلك لا يعيد النص اكتشاف الشخوص، فوجودهم محكوم بمصادفة النص نفسه، وإنما يعول عليهم كعين أخرى تطل من نافذته، قادرة على استثارة الدهشة وطرح التساؤل.
في معظم قصائد الديوان، تتكرر هذه التيمة، وكأنها الجسر الواصل ما بين الذات والموضوع، كأنها قناع النص نفسه الذي يتأبى على التقمص، ويستعصي على أن يمنح نفسه للمتلقي من باب وحيد، وكأن الشاعر يريد أن يقول لنا بشكل غير مباشر: كما أن لكل نصه تجليه وتخفيه أيضاً له شهود نفي وشهود إثبات معاً.
المملكة المتحدة Art

الوسائط المتعددة