رياح التغيير تهب على «أسبوع نيويورك»

الخميس - 12 سبتمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14898]

رياح التغيير تهب على «أسبوع نيويورك»

توم فورد يبدأ رئاسته «مجلس الموضة» بتغييرات مهمة واستراتيجيات هادفة
  • A
  • A
لندن: جميلة حلفيشي
في شهر يونيو (حزيران) الماضي، وعندما اختير المصمم توم فورد رئيساً لـ«مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، تفاءل الجميع خيراً. جاء خلفاً للمصممة دايان فون فورتنسبورغ، التي قامت بهذه المهمة لمدة 13 عاماً. كان التغيير ضرورياً لخضّ المياه الراكدة، إضافة إلى أن عالم الموضة بات يعيش تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة في السنوات الأخيرة، تحتاج إلى نفَس طويل وتدخلات من نوع جديد.

لا يختلف اثنان في أن ألق «أسبوع نيويورك» خفتَ في هذه السنوات، كما تشتتت ركائزه بين تغيير أماكن العرض الرسمية؛ من «براين بارك» إلى «مركز لينكولن»، ثم إلى أماكن متفرقة في نيويورك، وعزوف مشترين عالميين عن حضوره لافتقاده أي جديد يُذكر. كل هذا حدا ببعض المصممين إلى هجره، إما إلى أوروبا أو إلى لوس أنجليس؛ فمردوديته بالنسبة لهم لم تعد تستحق التعب والتكاليف التي يتكبدونها من أجل المشاركة فيه. خلاصة الأمر؛ كان «الأسبوع» يحتاج إلى ضخ دم جديد يُعيد له رونقه القديم ومكانته العالمية، لهذا ليس غريباً أن تُهلل أوساط الموضة عندما تم اختيار توم فورد، وأن تُعقد عليه آمال كبيرة. فهو المصمم الذي نجح نجاح الأبطال في إنقاذ دار «غوتشي» من الإفلاس في التسعينات من القرن الماضي.

يوم الجمعة الماضي، ومع انطلاق أول يوم في الأسبوع النيويوركي تحت رئاسته، كانت رياح التغيير بادية وملموسة. نجح في استقطاب، أو بالأحرى استعادة، أسماء مهمة كانت قد هجرته إلى «باريس» مثل «تومي هيلفغر» الذي عاد إلى الحُضن بعد 3 سنوات من الغياب، كذلك «راغ آند بون» إضافة إلى «ريهانا»... وغيرهم. الرئيس الحالي صرح في إحدى مقابلاته الصحافية بأن المهم بالنسبة له أن يُخرج «نيويورك» من شعورها بالاكتفاء الذاتي «لأن العالم أوسع بكثير».

يذكر أن توم فورد، الذي عمل طويلاً مع بيوت أزياء عالمية مثل «غوتشي» و«إيف سان لوران»، وعاش تجارب كثيرة مع المجموعات الكبيرة التي تنضوي تحتها هذا البيوت، تعلم الكثير من هذه التجارب، بحلوها ومرها، وعلى رأسها أن حلم العالمية هو ما يطمح إليه أي مصمم عندما يتكبد مئات الآلاف من الدولارات لتحقيق ذلك. تجربته الأوروبية جعلته أيضاً واقعياً وعملياً. واقعيته تجلت في تقصيره مدة الأسبوع النيويوركي من 7 أيام إلى 5 أيام، في خطوة شجاعة طالب بها كثير من المتابعين وصناع الموضة سابقاً من دون أن تتحقق. فطول الأسبوع كان من نقاط ضُعفه لما كان يُسببه من تعب وضيق وقت لحضور الأسابيع الأوروبية، لا سيما «لندن»، التي كان يتضارب يومها الأول مع اليوم الأخير في «نيويورك». ثم لا ننسى أن تقصيره يعني تكاليف أقل بالنسبة للذين يحضرون إليه من أوروبا.

رياح التغيير شملت أيضاً التنوع باحتضان اختلاف الآخر، وهو ما كان من بين القرارات التي اتخذها وعدّها ضرورية، مثل الاستعانة بعارضات من كل الأجناس والألوان والأحجام. كذلك، وحتى يحصل كل المصممين على تمثيل متكافئ في «مجلس المصممين الأميركي»، ضم إليه 4 أسماء جديدة، هي: المصمم فيرجيل أبلو، مؤسس ماركة «أوف وايت» ومصمم دار «لويس فويتون» الحالي للخط الرجالي، والبريطانية كارلي كوشني، التي أسست ماركتها منذ 10 سنوات بالتعاون مع ميشيل أوكس، وكوربي جون رايموند، الذي فاز في العام الماضي بتمويل «المجلس الأميركي» لتسليطه الضوء على تجربة السود في عروضه ومن خلال وسائل إعلامية أخيراً. وأخيراً وليس آخراً، التشيلية ماريا كورنيو، التي تُثير الإعجاب بأسلوبها الفني البسيط. جاء تعيين هؤلاء على حساب 4 آخرين نذكر منهم: جورجينا تشابمان، مصممة دار «ماركيزا»، التي لا يزال اسمها يثير الجدل رغم انفصالها عن زوجها السابق هارفي وينشتين، ومصممة المجوهرات كارا روس، التي يعدّ زوجها الملياردير ستيفن روس أحد الموالين للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكان قد أثار ضجة كبيرة في شهر أغسطس (آب) الماضي لجمعه تبرعات لصالحه.

حسبما صرح به توم فورد لمجلة «ويمنز وير دايلي»، فإن النية من التغيير كانت إعادة ترتيب المجلس وخلق تنوع يتطلبه العصر الحالي، وليس له علاقة بآراء سياسية لأحد، ولا انتماءاته على الإطلاق.

وسواء كانت قراراته تحركها أسباب سياسية أم لا، فإن كل ما قام به حتى الآن قوبل بالترحاب ولمس هوى لدى الأغلبية. فنحن في زمن أصبح فيه للموضة دور اجتماعي وصوت سياسي يعلو مطالباً بحقوق الإنسان أو نابذاً الظلم والأفكار الشعبوية... وغيرها. في شهر أغسطس الماضي مثلاً، وبعد أن تناهى إلى المسامع خبر دعم الملياردير ستيفن روس الرئيس ترمب، قرر كثير من المصممين ممن كانوا سيعرضون تشكيلاتهم في مكان يملكه الملياردير، الانسحاب والبحث عن أماكن أخرى. كانت الرسالة سياسية واضحة رغم أن أغلبهم صرحوا بأن الأمر لا علاقة له بالدعم. المصمم برابال غوانغ كان الوحيد الذي أعلن أن سبب انسحابه كان رفضه هذا الدعم. وأرفق هذا الاحتجاج بطرح «تي - شيرت» كتب عليه: «نحن نعيش في حالة أزمة».

بيد أن قوة توم فورد تكمن حتى الآن في دعمه اللامشروط وغير المسبوق المواهب الصاعدة؛ ففي مساء أول يوم من انطلاق الأسبوع، استضاف في مطعم فيتنامي 35 مصمماً ناشئاً؛ في خطوة أراد من ورائها فتح الأبواب والفرص أمامهم بخلق حوار بينهم وبين وسائل الإعلام وصناع الموضة المحترفين. شرح توم فورد فكرته قائلاً: «إننا عندما نتفاعل مع أي شخص وجهاً لوجه ونتحدث إليه، فإننا نفهمه أكثر، والنتيجة أننا ننظر إلى أعماله بنظرة مختلفة»؛ أكثر إيجابية.

ولا شك في أن توم فورد الذي عاش في أوروبا لأكثر من عقد من الزمن، لا يريد أن تُصبح «نيويورك» هرمة مثلا ميلانو، تعتمد على شيوخها من المؤسسين، بل يريدها نابضة بالحيوية والديناميكية مثل «لندن». فهذه الأخيرة قوت نفسها ورسخت مكانتها باحتضان المواهب الصاعدة بغض النظر عن جنسياتهم واختلافهم وميولهم. مع الوقت تحولت من الحلقة الأضعف بين العواصم الأربع إلى الأقوى، باستثناء باريس، التي حافظت على مكانتها، بحكم تاريخها واحتضانها خط الـ«هوت كوتير».

المصممة الشاب هيلاري تايمور كانت واحدة من المدعوين، وقالت بعد العشاء إنها، ولأول مرة، غمرها إحساس دافئ بالانتماء بفضل الجو العائلي الذي جمع بين مصممين يسمع كل منهم عن الآخر لكن لم يسبق لهم أن جلسوا معاً ليتجاذبوا أطراف الحديث بشكل ودّي؛ «وهو ما أراه منعشاً» حسب قولها. وتتابع: «كنت دائماً أشعر بأننا متفرقين، خصوصاً بعد أن تغيرت أماكن العرض من (براينت بارك) و(مركز لينكولن)، إلى أماكن أخرى...أصبح الكل وحيداً، عليه أن يعوّل على نفسه، ليأتي توم فورد الآن ويضمنا جميعاً في نادٍ واحد».

بيد أن تشجيعه الشباب ومحاولته فتح الأبواب أمامهم، لم يُلغ أهمية المصممين الكبار، من أمثال كارولينا هيريرا، ورالف لورين، وتومي هيلفغر... وغيرهم. فهؤلاء لم يؤسسوا إمبراطوريات عالمية أو يُثبتوا أنهم يفهمون السوق فحسب باعتمادهم دائماً تصاميم بأسلوب سلس يروق للجميع؛ بل هم حالياً قوة دعائية لا يمكن تجاهلها من قبل وسائل الإعلام، مما يعطي «الأسبوع» زخماً. وطبعاً لا يمكن تجاهل أن هذه القوة تنعكس على عروضهم الباهرة، بدءاً من اختيارهم الأماكن التي يقدمون فيها عروضهم؛ إلى نوع الإخراج... وباقي التفاصيل.

وليس أدل على هذا من عرضي تومي هيلفغر، ورالف لورين. الأول عرض تشكيلة قوية بعبق الثمانينات والسبعينات من القرن الماضي في «مسرح أبولو» الشهير بهارليم، والثاني كان عرضه بمثابة حفل خاص جداً حضرته باقة من النجوم، مثل كايت بلانشيت. كان المصمم يريد أن يُجسد هذا الحفل كل معاني الانطلاق وروح الانعتاق التي شهدتها حقبة العشرينات، سواء من خلال الديكور الذي غلب عليه الـ«آرت ديكو»، أو من خلال استعانته بفرقة جاز كانت في استقبال الحضور. كانت التشكيلة أيضاً سخية بفساتين السهرة وتايورات المساء، مثل التوكسيدو. «لو سموكينغ» كما يُطلق عليه الفرنسيون، تكرر بألوان وأقمشة عدة، إلى حد القول إنه كان النجم بلا منازع. ورغم أنها قطعة ارتبطت بالراحل إيف سان لوران في السبعينات، فإن رالف لوران له تاريخ معها وحق فيها، لأنه بدأ مصمماً رجالياً. اقتراحاته لربيع وصيف 2020، كانت بلا شك أنيقة، قدمها في أجواء مثيرة، لكن اللافت فيها أنها تؤكد حقيقة مهمة؛ وهي أنه عندما يتمتع أي مصمم بإمكانات مادية كبيرة، فإنه ينجح في شد الأنفاس واستقطاب النجوم.

المصمم الشاب كريستيان سيريانو، قد لا تكون له إمكانات تومي هيلفغر أو رالف لورين، لكنه يعرف أن أي عرض يحتاج إلى بهارات وحبكة مثيرة لكي ينجح. استعان بعارضات مثل كوكو روشا لاستعراض فنيته في تشكيلة قال إنه استلهمها من لوحات فنانة الـ«بوب آرت» آشلي لونغشور، رآها معروضة في قاعتها الفنية في نيو أورليانز. ويذكر أن الفنانة تشتهر بجمعها ألوان النيون بالباستيل في أعمالها، وهو ما ترجمه سيريانو في أزياء تجمع هي الأخرى بين الأناقة والشقاوة. شرح بعد عرضه: «أرى في هذه الفنانة نسخة عصرية للفنان آندي وورهول... فجميل للغاية أن ترى فنانين يرسمون لوحات يستلهمونها من مصممي الموضة والعكس». باستثناء قطع قليلة تعدّ على أصابع اليد الواحدة بالأسود والرمادي، كانت الألوان الغالبة تسطع بالأخضر المعدني، الذي ظهر في فساتين وجاكيتات «بلايزر»، والوردي الذي ظهر في فساتين قصيرة، إضافة إلى ألوان قوس قزح في فساتين من اللاميه تلمع مع كل خطوة. تأثير الفنانة آشلي لونغشور ظهر أيضاً في طبعات ثلاثية الأبعاد.

من جهته؛ قدم المصمم جايسون وو، أيضاً، تشكيلة تحتفل بألوان الصيف. قال إنه، ولأول مرة منذ سنوات، استطاع أن يقتطع لنفسه إجازة هذا الصيف مدتها شهر كامل قضاه في كل من ميكونوس ومايوركا. لم يرد لحلمه بالشمس والبحر أن ينتهي بسرعة ويبقى مجرد ذكرى، لهذا ترجمه في تشكيلته لربيع وصيف 2020، من خلال ألوان وخطوط تحتفل بالسفر والإجازة، مثل جاكيت السافاري، وفساتين اللف، وقطع أخرى قال إنه استوحاها من صور لإريفينغ بين تُروج للريفييرا الفرنسية.

أما دار «كايت سبايد» فأطلقت على عرضها عنوان: «الحديقة السرية». استلهمتها من رواية فرنسيس هودجسون بيرنيت بالعنوان نفسه، ووصفتها مصممة الدار الجديدة، نيكولا غلاس بأنها أرادتها أن «تتفتح في أي مكان توجد فيه». فهذا تحديداً ما أنيط بها وما كان متوقعاً منها عندما تولت إدارة الدار الفنية: أن تُجددها وتضخ فيها جرعة تفاؤل كانت تحتاجها بعد انتحار مؤسستها، كايت سبايد في العام الماضي. كان العرض تكريماً لذكراها من ناحية؛ أو بالأحرى «الإبقاء على اسمها حياً» حسب قول الممثلة ديبي مازار، لكنه كان أيضاً طبقاً دسماً ومتنوعاً من الأزياء الأنيقة والإكسسوارات العملية التي تحمل بصمات المؤسسة وروحها المرحة التي انطفأت.
لمسات

الوسائط المتعددة