مانيفستو سنكارا... خريطة طريق لبناء مجتمع اشتراكي بنكهة أميركية

الخميس - 26 سبتمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14912]

مانيفستو سنكارا... خريطة طريق لبناء مجتمع اشتراكي بنكهة أميركية

مجلة «الإيكونومست» البريطانية تتساءل عن معنى عودة «موضة الاشتراكية»
  • A
  • A
لندن: ندى حطيط
لم تعد «الاشتراكية» ومشتقاتها تثير كثيراً من الاستهجان بين الأميركيين هذي الأيام. وهذا تطور كبير بما خص طبيعة الجدل السياسي في الدولة العظمى التي كانت قد جعلت من ذلك المفهوم الغامض حول نظام بديل للرأسمالية، وطوال فترة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، نوعاً من كفر بواح، وخيانة وطنية للمشروع الأميركي المستحوذ بحكم الواقع على نصيب الأسد من مقدرات الكوكب. لكن الأجيال الأميركية الجديدة تبدو وكأنها قد تجاوزت دوغمائيات الحرب الباردة. فاليوم، يمتلك بيرني ساندرز، الذي يصف نفسه بالاشتراكي، فرصة حقيقية للمنافسة على بطاقة الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة (2020)، بمواجهة الرئيس الحالي دونالد ترمب، بينما كان منافساً قوياً لهيلاري كلينتون في الصراع داخل الحزب الديمقراطي على بطاقة الترشيح للانتخابات الرئاسية السابقة (2016). ونجمة الكونغرس الأولى بلا منازع هي الشابة اليسارية أليكسندرا أوكاسيو - كورتيز، بينما تضاعف عدد منسوبي منظمة الديمقراطيين الاشتراكيين الأميركية ست مرات منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2016، ليصلوا إلى رقم الـ60 ألفاً الآن، وهم في ازدياد مطرد على نحو دفع مجلة «الإيكونومست» البريطانية العريقة إلى التساؤل حول معنى عودة موضة «الاشتراكية» إلى الولايات المتحدة الأميركية.

يحاول باسكار سنكارا، في كتابه «المانيفستو الاشتراكي» الصادر حديثاً، تجاوز تاريخ التجربة المكلفة للقرن العشرين، في محاولة بناء جنة اشتراكية على الأرض، عاداً أن تلك كانت تنويعاً سوفياتياً محملاً بالأوهام. ومن ثم، يقدم نوعاً من خريطة طريق لبناء مجتمع اشتراكي، هذه المرة بنكهة أميركية.

وسنكارا شاب أميركي لمّا يصل إلى الثلاثين من عمره بعد، تنحدر جذوره من تيرينداد وتوباغو بالكاريبي، وقد لمع مبكراً في صفوف اليسار الأميركي، لا سيما بعد أن أصدر مجلة «جاكوبين» التي أصبحت خلال وقت قصير أحد أهم الأصوات البديلة الرصينة للإعلام الأميركي التقليدي، رغم تحفظ بعض دكاكين اليسار عليها. وقد وضع كتابه هذا لحاجة لمسها لدى الجيل الجديد الذي يجد معظمه صعوبة في التواصل مع أدبيات اليسار الكلاسيكية، ومناخاتها المتقادمة، ولا يكاد يكون قادراً على تصور شكل مجتمع بديل عن الرأسمالية المعاصرة.

وينطلق «المانيفستو» مستهلاً بمفاضلة بين «الاشتراكية الاجتماعية»، التي هي نموذج دولة الرفاه في أوروبا الاسكندنافية، على الأقل خلال فترة السبعينات من القرن الماضي، وما يسميه «الاشتراكية الديمقراطية» التي وحدها عنده تضمن تحقق فكرة الديمقراطية بمعناها الشامل داخل المجتمع البشري، من خلال تطبيقها راديكالياً في فضاءات الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، دون اقتصارها على ساحة السياسة فحسب. وهو إذ يتحسر على تراجع فكرة دولة الرفاه أمام الهجمة النيوليبرالية القاسية في ثمانينات ريغان - ثاتشر، فإنه يشير إلى أن الطريق الوحيد للترقي بتلك التجربة كان بالانتقال تحديداً إلى نموذج «الاشتراكية الديمقراطية»، وإلا انتهت عاجلاً أو آجلاً إلى مجرد وجه مجمل للنيوليبرالية «الشمطاء».

ويتطلب تطبيق نموذج «الاشتراكية الديمقراطية» الذي يريده سنكارا انخراط كتل واسعة من المواطنين في العمل السياسي، وإدارة مركزية الطابع للنشاط الاقتصادي العام. لكن الواقع العملي وخبرة القرن العشرين معاً يقولان إن القطاع الأغلب من الجمهور لا يرغب حقيقة بالانخراط في أنشطة القيادة والسياسة على نحو دائم، وأفراده يفضلون غالباً الانصراف إلى رعاية عوائلهم، أو تزجية الوقت في هواياتهم الغريبة، بدلاً من الانخراط الدائم في عمليات صنع القرار. وبينما لا ينكر أحد اليوم الصعوبات الهائلة التي عانت منها تجربة التخطيط المركزي في عدد من الأنظمة السياسية المنقضية قبل نهاية القرن الماضي بقليل، بما فيها الاتحاد السوفياتي نفسه، فإن مجرد افتراض أن الاشتراكيين الأميركيين سيكونون أفضل حظاً في تطبيق نموذج مركزي مختلف يكاد يكون أقرب إلى الأماني السعيدة منه إلى الموضوعية.

وللحقيقة، فإن علماء السيكولوجيا والأنظمة السياسية المعاصرين يدركون فضائل مجتمع اشتراكي النزعة لمجموعة أعضاء مرتفعي التعليم، وفي إطار عددي محدود (ألف إنسان مثلاً)، كما في مصنع صغير نسبياً أو جامعة متقدمة أو إدارة متخصصة (تجربة إدارة جامعة هارفارد مثلاً)، لكن متطلبات العمل الاشتراكي تصبح غير عملية ومتعذرة لأسباب موضوعية محضة في أجواء التنظيمات البشرية الضخمة (خذ مثلاً شركة مثل «آي بي إم»، حيث أكثر من 350 ألف موظف)، هذا سوى المصاعب الناتجة عن توزع أنشطة الأعمال على رقعة العالم بأجمعه. ولذلك، فإنه يمكن وصف «مانيفستو» سنكارا بأنه شديد المثالية ونظرياً في تبشيره بالحل الاشتراكي.

سنكارا، وعلى نهج اليسار الأميركي، يلجأ لاقتراح حلول نظرية راديكالية صارمة، لا يمكن تحقيقها بالفعل دون تغيير نوعي شامل على مستوى الولايات المتحدة بأجمعها، وتجاهل تجربة الصين المعاصرة التي مزجت بين إدارة مركزية قوية واقتصاد حر، لتنجح خلال عقود قليلة بالتحول إلى ثاني أهم اقتصاد في العالم، مع انتشال أكثر من 500 مليون إنسان تحت خط الفقر المدقع، وكذلك تحقيق ارتفاع عام ملموس في مستويات المعيشة لكل الصينيين (1.2 مليار نسمة). ولذلك، فإن «المانيفستو» لن يقنع غير المقتنعين أصلاً بالفكرة الاشتراكية.

وبالطبع، فإن بضاعة المؤلف لا تقدم تصوراً كافياً عن الديناميكية التي سيتم بها تحديد أسعار السلع والخدمات في المجتمع الاشتراكي الذي يتصوره، ذلك إلى جانب غموض مريب بشأن كيفية منع تغول الأكثرية على الأقليات، في ظل ديمقراطية الأصوات أو هيمنة النخبة الثورية على عمليات اتخاذ القرار، كما حدث في الاتحاد السوفياتي حين أجهضت تجربة مجالس العمال الديمقراطية الطابع (كانت تسمى السوفيات)، لمصلحة البلاشفة الثوريين المحترفين وحزبهم (الشيوعي) المنفرد بالحكم.

لا شك بأن المقاصد وراء «المانيفستو» إيجابية نبيلة، فهو يأتي من عباءة ثقافة نيتشوية الطابع، تسعى لمنح البشر الفرصة للعيش بكرامة تليق بإنسانيتهم، عبر منحهم الفرصة للتحول إلى أنسان خارق (سوبرمان) جديد. لكن الأحلام الطوباوية شيء، والواقع الموضوعي شيء آخر تماماً. ولا يبدو جدال سنكارا بقادر على طرح أي معطيات جديدة لتقديم تجربة أفضل من تجربة نصف العالم في القرن المنصرم، أو على الأقل الإتيان باقتراحات محددة لمنع تكرار حدوث المآسي التي كانت قد تسببت بها تلك التجربة لمجتمعات القرن العشرين.

«مانيفستو» سنكارا إذن لا يُحسن من حظوظ الأميركيين، وبالتبعية معظم المجتمعات الإنسانية، بالحصول على نظام أكثر عدالة، بديل للمشروع الرأسمالي المستشرس في صيغته المتأخرة. وهو بذلك يبدو على نحو ما أقرب إلى رسالة تشاؤمية منه إلى بشارة بقيام مجتمع فاضل، إذ إن فشل اليسار الأميركي تحديداً يقصي أي فرصة لكسر الطابع الإمبراطوري لدولة العالم العظمى، وبالتالي تعثر تحقيق تغيرات حقيقية في معظم مجتمعات البشر الأخرى. عقم «مانيفستو» سنكارا يشير بالضرورة إلى أنه لا مفر لليسار الأميركي، قبل غيره، من البحث بعقل منفتح في أسرار التجربة الصينية، بدل الوقوع السهل في صف منتقديها، يميناً ويساراً. ومن ثم، بناء مشروع نظري جديد للقرن الحادي والعشرين، يستهدف إطلاق الجمهورية العادلة القادرة على أن تزيح دولة النخبة، في إطار الواقع الاجتماعي والتكنولوجي الذي أنتجته 500 سنة من الرأسمالية.

الوسائط المتعددة