عدسة الرضا وعدسة السخط

الاثنين - 07 أكتوبر 2019 مـ

عدسة الرضا وعدسة السخط

  • A
  • A
84    54

وصلتُ إلى العراق مديراً مناوباً لمكتب «بي بي سي عربي» في مارس (آذار) من عام 2004. كانت الذكرى الأولى لسقوط نظام صدام حسين على الأبواب. في الطريق من الكويت إلى العراق استخدمنا سيارة، قطعنا الجنوب العراقي كله براً، نرى العراقيين ويروننا، نتوقف لشراء عصائر وماء، ثم نمضي في سلام. في طريق العودة بعد شهرين فقط لم نكن آمنين أن نذهب من مكتبنا القريب من حي الكرادة في قلب العاصمة حتى المطار، كان علينا أن نتخذ خطوات تمويه حتى لا يشتبه مسلحون في أن السيارة تحمل صحافيين، ليسوا عراقيين. أما الطريق إلى الكويت فلم يكن ممكناً بدرجة معقولة من الأمان إلا باستخدام طائرة حربية قادرة على الإقلاع العمودي. وصلت إلى العراق شاباً يعتقد أن العالم يمكن هندسته بالنيات الطيبة، وغادرته وقد علمت أنني سأصير أباً، ستعيش ابنتي في ظل محصّلة أفعال الجميع، وليس الأحلام التي جالت بخاطر أبيها.
خلال هذين الشهرين اللذين رأيت فيهما الانحدار السريع نحو القاع تعلمت الدرس الأكبر في الصحافة: «اللي شاف مش زي اللي حلم».
قبل أن أذهب إلى العراق بسنة كان النقاش ساخناً حول التدخل الخارجي في العراق. وكنت متحمساً لرؤية العراق الجديد، الديمقراطي، الذي سوّق له السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي على أنه نموذج للعلمانية الشيعية التي ستقف في وجه الإسلام السياسي الشيعي الإيراني. كانت صور أحمد الجلبي وتصريحاته تقدَّم في الإعلام العالمي كتجسيد للعراق الجديد.
بعدها بسنة، في العراق نفسه، رأيت أحمد الجلبي بعيداً عن الصناعة الإعلامية، مجرد سياسي بلا وزن، يسعى إلى استمرار الوجود بالائتلاف الطائفي، من خلال التحالف الذي سماه «البيت الشيعي». لا يتحرك خطوة واحدة دون استشارة إيران. في مصر نقول: «كلام الليل مدهون بالزبد، تطلع عليه الشمس تسيحه».
قبل أن أذهب إلى العراق بسنة التقيت شاباً عراقياً في ندوة ثقافية في دار «الساقي» في لندن، كان العالم على أعتاب الغزو، وسألت الشاب العراقي عن الأحوال في العراق، وجرّنا الحديث إلى مقارنة بين ديكتاتورية صدام حسين و«ديكتاتورية» حسني مبارك. قال لي الشاب العراقي ضاحكاً وساخراً: «ديكتاتورية حسني مبارك؟! لو كان لدينا حسني مبارك في العراق لكنا في نعمة. أي ديكتاتورية يا أخي!».
تستطيع امرأة أن تسمي عشر درجات بين الأحمر والوردي. لكن الإعلام يعجز في معظمه عن ذلك، فيتعمد، أو يستسهل، ترحيل ذهنك إلى ظلين فقط. الداكن والفاتح. لا شيء بينهما. يجمع مبارك وصدام وبشار وكيم جونغ أون في خانة واحدة. والنتيجة توجيه الصورة الذهنية لدى المتلقي. لو لم يرَ مصر سيتخيلها عراق البعث، ثم تتأكد الصورة بالتكرار والزنّ على الآذان. وتظل المشكلة أكبر في الاتجاه العكسي. لو ذهب مصري عاصر مبارك إلى عراق صدام مثلاً، فأعتقد أن مساحة المسموح هناك تشبه مساحة المسموح في مصر، أليس كلاهما ديكتاتوراً؟! خطأ ربما يغيّر ما تبقى من حياته، إن ظل فيها بقية. تضليل إعلامي قاتل.
في العراق فهمت مقصد الشاب. رأيت عاقبة قصور اللغة عن عكس ظلال الألوان السياسية. التشخيص الخاطئ الذي يخلط بين قرحة المعدة وسرطان الأمعاء، قاتل. يعطي دواء لمرض متخيَّل، ويترك الداء الحقيقي يأكل الجسد على راحته. يريح المريض وقتياً ويقضي عليه. أما تعمد التهويل أو تعمد التحقير، فقتلٌ عَمْد. هذه أيضاً رأيتها بعيني في سلوك قناة «الجزيرة» في العراق. نذهب إلى نفس موقع التفجير. أرى حفرة صغيرة في جانب الطريق أحدثتها عبوة مصنعة يدوياً، هذا على الطبيعة، أما على شاشة «الجزيرة» فأرى ما يشبه فوهة بركان. هو هو. نفس التفجير، صار بضاعة ضخّمها الهوى... الإعلامي.
يسخر أناس من عبارة المصريين البسطاء: «مش أحسن ما نكون زي سوريا والعراق». ويدّعي هؤلاء أننا بالفعل مثل سوريا والعراق. يحسبونها هيّنة، وهي تضليل عظيم، كان مقصوراً في السابق على حلقة ضيقة، بضعة أصدقاء من المهتمين بالسياسة يجلسون على مقهى ويتندرون ثم يذهب كل إلى حال سبيله. أما الآن فخلف هؤلاء المضللين جيش إعلامي عالمي، يروج لهذا التشخيص القاتل، فيدفع شباباً إلى تخريب بيوتهم بأيديهم. لقد جعلهم الإعلام العالمي، وقد صار ينظر إلى المنطقة بعيون تيار معين تسرب إلى الأقسام العربية في الميديا العالمية، يظنون أنهم في القاع. ليس لديهم ما يخسرونه. بينما الحقيقة الرقمية أن الأوضاع تتحسن. ربما تكون الأحلام أفضل كثيراً، هذا طبيعي، لكنّ منحنى التحسن صاعد. في الأمن العام، في مكافحة الإرهاب، في الاستقرار الاقتصادي. يجب أن نبني على هذا بالمطالبة بمزيد منه. أما تقويضه، فسوف يجعلك تعرف، بعد فوات الأوان، أن القاع كان بعيداً، وأن الهبوط إليه ممكن بالنيات الطيبة، كما بالنيات السيئة. معدل النمو في مصر، حسب «بلومبرغ»، وصل إلى 5.6%، وهو الأسرع في المنطقة. هذا حصاد تحسن في أكثر من ملف. فيها مشكلات طبعاً لا تخطئها العين. لكن المنحنى صاعد. بين الأبيض والأسود ظلال كثيرة.
العراق كان يجب أن يكون أفضل حالاً بكثير، هو الدولة الوحيدة في المنطقة التي لديها أراضٍ زراعية ولديها مصادر طاقة. لديها نهران ولديها نفط. لكن الفساد مستشرٍ. ورجال الدين أنفسهم حسُّوا مؤخراً بالمشكلة ورفعوا أصواتهم.
«الحرس الثوري» الإيراني يعامل العراق كولاية، وله ميليشياته الموالية فيه.
سوريا كما ترون. لبنان انخفض تقييم الدين فيه حسب «فيتش» إلى (CCC)، واقتصاده سينهار إن لم تحدث معجزة.


الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة