ولماذا لا يمتلئ الشعر العراقي بالدم؟

الاثنين - 07 أكتوبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14923]

ولماذا لا يمتلئ الشعر العراقي بالدم؟

  • A
  • A
فاضل السلطاني
لم يترك كلكامش ابناً طليقاً لأبيه

لم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار

أهذا جلجامش راعي أوروك المسورة

أهو راعينا القوي الكامل الجمال والحكمة.

لم يترك جلجامش عذراء طليقة لأمها

ولا ابنة المقاتل ولا عروس الشاب.

(من ملحمة «كلكامش»)

- - -

أو ما تذكر ما فعلت بالأرض أنانا

ملأت جميع آبار البلاد بالدم

ملأت جميع الأحراش والبساتين بالدم

صار العبيد حين يحتطبون

لا يشربون إلا دماً

والإماء إذا ما جئن للتزود بالماء،

لا يملأن جرارهن إلا بالدم

فتأمل ماذا فعلت أنانا

(من «أنانا والبستاني»)

ربما لم يمتلئ شعرٌ في التاريخ بالدم، كالشعر العراقي، قديمه وحديثه، منذ ملحمة «كلكامش» و«أنانا والبستاني»، مروراً بالجواهري والسياب إلى آخر شاعر قد يُقتل الآن في شوارع العراق السابحة بالدم... تغلب الدم على نشيد الحرية والحب، والتغني بالمستقبل الموعود، إلا في مراحل قليلة. فما تنتهي مذبحة حتى تبدأ أخرى. كأن المذابح تتناسل. ما إن ينتهي بعض عقد مستقر نسبياً منذ استقلال العراق الاسمي 1934 ـ حتى نختمه بمشنقة. وربما لا نعثر حتى في الأدب الكولونيالي، على كميات الدم الهائلة السائلة في الشعر العراقي، وحتى في مرحلة الفاشية. كانت فترات في التاريخ وقد عبرت رغم دمويتها الرهيبة. لكن نادراً، ما يتواصل الدم، ويعبر القرون، وينضح من العروق، فائراً كأنه انبثق من الجرح أمس فقط، كما في العراق.

قلنا لسذاجتنا، إن مسيل الدم سيتوقف بعد 2003، فقد صار في العراق أخيراً شيء يسمونه، الديمقراطية. سنكتب أدباً آخر، يرتفع فوق الرصاص والدم، والأسواط والسجون. أدب يعانق الألم والشوق الإنسانيين. سنفعل كذا وكذا. سنرمم على الأقل ما تهدم، وما انكسر فينا أولاً.

لكن جاء الوحوش مرة أخرى. من أين جاءوا. كأنهم كانوا يختبئون في غابات التاريخ السوداء الموحشة، منتظرين الفرصة الملائمة ليزحفوا إلى شوارعنا، وأحيائنا، ومدننا، ودواخلنا ليملأوها أدغالاً وروثاً وطيناً... ودماً.

الدم العراقي لا يزال يسيل في الشوارع، منذ خمسة آلاف سنة، منذ كلكامش مروراً بالحجاج وصدام حسين وصولاً إلى عادل عبد المهدي، خريج فرنسا، لكن الأقرب إلى هؤلاء منه إلى بلاد روسو وفولتير. كم قطرة دم جرت، خلال ثلاثة أيام فقط، في سواقي أور، بلد كلكامش، ومدينة عادل عبد المهدي - يا للمفارقة المضحكة -. استيقظت الناصرية وكأنها في عام 1991، حين اجتاح حرس صدام الجمهوري المدينة الثائرة مثل أخواتها الجنوبية، ولم يترك فيها سوى القبور الجماعية. ولكنها في صباح الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019، استيقظت وفي خاصرتها الهشة اللحم سكين ابنها «البار». الرجل الذي كان قد حمل السلاح عام 1967 لإسقاط السلطة، عاد قامعاً. أهي سيكولوجية القامع والمقموع، مرة أخرى؟ اللاجئ لأربعين سنة، الحامل درجتي ماجستير من فرنسا في الاقتصاد والسياسة، الذي قلنا عنه لا بد أنه تعلم شيئاً من بلاد النور والحب والثقافة، عاد وهو لا يحمل في جيبه المترهل سوى رصاص صدام حسين، ولم يحفظ من دروس سوى القمع والقتل.

لماذا لا يمتلئ الشعر العراقي دماً؟
المملكة المتحدة Art

الوسائط المتعددة