يهود إيران في الداخل... ويهودها في إسرائيل

الخميس - 10 أكتوبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14926]

يهود إيران في الداخل... ويهودها في إسرائيل

تمزقاتهم بين مكانين في كتاب فرنسي
  • A
  • A
القاهرة: أحمد صلاح
رغم أن ملف الجالية اليهودية الإيرانية يُعد من الملفات ذات الحساسية الخاصة التي يكتنفها الغموض إلى حد كبير، فإن الكاتبة إستر باريزي استطاعت إنهاء هذه الحساسية، ووضع حد لحالة الغموض التي تكتنف هذا الملف، بكتابها الصادر مؤخراً تحت اسم «يهود وإيرانيون: الجالية اليهودية - الفارسية منذ الثورة في إيران وإسرائيل»، عن دار النشر الفرنسية الشهيرة «هرماتان».
يقع الكتاب في 186 صفحة من القطع المتوسط، ويكتسب أهمية خاصة، ليس فقط لأهمية الملف الذي يتناوله، ولكن أيضاً لأنه يتأسس على دراسة ميدانية قامت بها المؤلفة لمدة أربعة أشهر خلال عام 2016، بين طهران وإسرائيل، متخذة من طهران نقطة انطلاقها البحثية للإجابة عن سؤال مفصلي يدور في خلدها، وهو: كيف يمكن ليهودي أن يعيش اليوم في إيران، خصوصاً منذ الثورة الإسلامية 1979؟ وبالتبعية سؤال آخر: كيف يعيش اليوم يهودي إيراني في إسرائيل؟ هذا السؤال المزدوج يتأسس هو الآخر على إشكالية الهوية اليهودية - الإيرانية، ويمثل كذلك مدخلاً مهماً لفهم طبيعة المجتمعين الإيراني والإسرائيلي. وبفضل كفاءتها اللغوية، فتحت المؤلفة أبواب نحو عشرين عائلة على الأقل في قلب المجتمعين الإيراني والإسرائيلي، ما وفر لها اكتشاف أسرار ومكنونات الهوية اليهودية الإيرانية.
وعلى ذلك، تؤكد باريزي أنه قبل الثورة الإيرانية 1979، كان عدد الجالية اليهودية في إيران يربو على المائة ألف نسمة، وكانت تنعم برخاء ملحوظ. ومع انطلاق الثورة الإيرانية، اضطر عدد كبير من اليهود إلى هجرة الأراضي الإيرانية نحو إسرائيل، بينما فضل البعض الآخر البقاء في إيران.
أما بالنسبة لليهود الإيرانيين في إسرائيل، فتشير المؤلفة إلى أن هناك تفاوتاً ومستويات كثيرة، فهناك فئة هاجرت لإسرائيل طواعية، وتحيا حياتها بشكل طبيعي، لا سيما الشباب الذين ولدوا في إسرائيل، وهو وضع يختلف عن وضع الذين أكرهوا على الهجرة في أعقاب الثورة الإيرانية 1979، إذ يعيشون كما لو كانوا في منفى، الأمر الذي يولد لديهم إحساساً دائماً بالحنين للبلد الأصلي. وتظل هذه الفئة مرتبطة إلى حد كبير بالثقافة الفارسية، بحثاً عن هوية، على عكس الذين اتخذوا الولايات المتحدة الأميركية مقصداً للهجرة في أعقاب الثورة الإيرانية كخيار لهم.
بدايات التكوين
تاريخياً، تذكر الكاتبة أن بداية إقامة اليهود في إيران ترجع إلى أكثر من 27 قرناً، أي بعد القائد العسكري قورش الكبير، مؤسس الإمبراطورية الفارسية، وسيطرته على مدينة بابل عام 528 قبل الميلاد، وإطلاقه سراح اليهود. وهي ترى أن أصول الجالية اليهودية التي تعيش الآن في إيران تعود إلى هذه الفئة من اليهود. ثم جاء بعد ذلك القائد داريوس الأول (468-521)، لينتهج سياسة حماية الأقليات الدينية، ويطور من وضعها الاقتصادي والسياسي بشكل ملحوظ. وبدأ بعد ذلك يهود أوروبا بالتواصل مع يهود الشرق الأوسط، ومن ثم مع يهود إيران الذين تحسنت أوضاعهم أكثر، وبدأوا يحصلون على كثير من الحقوق، خصوصاً في ظل حكم أسرة «قاجار» التي حكمت بلاد فارس منذ 1779 حتى 1925. ثم جاء بعد ذلك عهد الشاة محمد رضا بهلوي (1925-1979) الذي أدمج اليهود في القومية الإيرانية، وجعل منهم مواطنين كاملين، يتمتعون بالهوية الإيرانية التي تسمح بدمج الأقليات الدينية، الأمر الذي ترتب عليه تحسن الوضع الاقتصادي كثيراً ليهود المدن الكبرى، على خلفية استفادتهم من الأوضاع المميزة التي يتمتعون بها، بل وصل الأمر إلى أن بعض الشخصيات اليهودية كانت مقربة من دوائر السلطة.
ويذكر أيضاً أن إقامة إسرائيل عام 1948 كان لها أثر واضح على موجات الهجرة الكبيرة للجاليات اليهودية بشكل عام، إلا أنها لم تؤثر بشكل واضح في البداية على الجالية اليهودية في إيران، لأنها ظلت دون صدامات مع النظام الإيراني، إضافة إلى وجود علاقات تجارية وسياسية وطيدة بين طهران وتل أبيب، الأمر الذي جنب الجالية اليهودية أي تصعيد أو تغيير على وضعها في إيران. لكن تغير كل شيء بعد قيام الجمهورية الإسلامية 1979، إذ رافقها تغير حقيقي في وضع يهود إيران، لسببين: يكمن الأول في الطبيعة الآيديولوجية المفضلة للأغلبية الشيعية، على حساب باقي العقائد والطوائف، فيما يكمن السبب الثاني في وضعها الآيديولوجي المعادي للدولة العبرية، وهو أمر يضع الجالية اليهودية في إيران في وضع حرج للغاية، يصل في بعض الأحيان إلى حد الاتهام بالخيانة، وليس أدل على ذلك من اتهام 13 من أبناء الجالية اليهودية في طهران بالتجسس عام 1999 لصالح إسرائيل، رغم إطلاق سراحهم بعد بضع ساعات، وبالتالي فإن هذا الوضع جعل من الجالية اليهودية في إيران أقلية، ثقافياً وديموغرافياً، إلى حد كبير.
كتب

الوسائط المتعددة