داكار... مدينة التناقضات

الأربعاء - 16 أكتوبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14932]

داكار... مدينة التناقضات

حيث تتمازج إيقاعات الموسيقى بصخب الشوارع والألوان
  • A
  • A
لندن: «الشرق الأوسط»
كل التناقضات فيها... فمن جهة يرى السائح الكورنيش حيث مشهد مياه المحيط الساحر، وفي الجهة المقابلة له أسواقاً شعبية تعج بالحركة والصخب. ترى أيضاً سيارات فارهة إلى جانب عربات تجرّها الخيول.

هذه هي داكار؛ عاصمة السنغال الواقعة على طرف شبه جزيرة الرأس الأخضر في أقصى غرب قارة أفريقيا. مدينة أنيقة وفوضوية، تعتز بانتمائها إلى غرب أفريقيا، في الوقت الذي تقر فيه الفرنسية لغة رسمية لها.

لا يكمن سحر العاصمة داكار في الطراز المعماري لأبنيتها وأسواقها وطبيعتها فحسب؛ وإنما أيضاً في شعبها والمناخ العام الذي يخلقونه حولهم. فالحياة تدب في الشوارع الحارة المليئة بالغبار ما إن يخرج السكان المحليون بملابسهم المنمقة والمزدانة بالألوان المبهجة. رغم الازدحام الخانق في المرور، فإنك لا تسمع أي تذمر منهم، بل تعلو في الخلفية أصواتهم وهم يتبادلون الحديث والضحكات بعفوية. أما في الأسواق، وهي جزء أساسي من المدينة، فحدّث بلا حرج، حيث يواجه السائح موجة عالية من الضجيج يُعززها صوت أغاني البوب السنغالية، فتجعل التفاوض في هذه الأسواق حول الأسعار مهمة صعبة في بعض الأحيان. ومع هذا، فإنه لا يمكنك الاستمتاع بالسحر والدفء الحقيقي لداكار بعيداً عن ضجيجها...



أماكن الإقامة

ننصحك بتجنب الفنادق المزدحمة مرتفعة الأسعار في ضاحية لانديباندنس حيث الضجيج مستمر حتى يُصبح النوم رفاهية صعبة المنال. بدلاً من ذلك، يُفضل البقاء في مكان أبعد بعض الشيء لكن يمكن الوصول إليه بسهولة عبر سيارة أجرة أو حافلة، مثل ضاحية ليز ألماديز الهادئة التي تقع على بعد 5 كيلومتراً من قلب المدينة. أما إذا كانت النية التعرف على داكار بشكل مُكثف، فعليك بـ«لي ماميل»، وهي منطقة مؤلفة من تلّين يطلان على باقي أرجاء شبه جزيرة الرأس الأخضر، وتتسم بتضاريسها المسطحة. منها يمكن رؤية المحيط الأطلسي، والمدينة مترامية الأطراف في الأسفل، وتمثال «النهضة الأفريقية» البرونزي المثير للجدل. سبب الجدل أنه يفوق تمثال «الحرية» من حيث الحجم، رغم أنه لا يزال في مرحلة التشييد. ويظهر به رجل وامرأة وطفل يشير باتجاه الأفق، في إشارة إلى تجدد الأمل الأفريقي. يعود تاريخ تصميم التمثال وبنائه إلى عام 2009. ويبدو مبهراً رغم الجدل الذي أثاره مبلغ الـ17 مليون جنيه إسترليني الذي أنفقته حكومة الرئيس عبد الله واد على إنشائه.



ملاذات بعيدة عن الصخب

إذا لم تكن متعوداً على الضجيج، فهناك ملاذات هادئة كثيرة، مثل «إل دي غوري»، وهي جزيرة تقع على الجهة المقابلة للعاصمة على بعد 30 دقيقة منها. ومع أن السياح اكتشفوا روعة هذا المكان منذ فترة بعيدة، فإنه لا يزال من الممكن أن يستمتع المرء بالتنزه عبر المباني المتميزة بالطراز المعماري المميز لفترة الاستعمار في هدوء تام. وتضم الجزيرة كثيراً من المنازل الأثرية، منها «منزل العبيد» الذي يسجل التاريخ المؤلم لتجارة العبيد.

هناك أيضاً «بيتي كوت»؛ مدينة تقع على الساحل الجنوبي وتعدّ الوجهة المفضلة لأبناء داكار لقضاء عطلاتهم الصيفية لما تتميز به من هدوء وأجواء تدعو للاسترخاء. ويمكن للسائح هنا تعلم العزف على الطبول والرقص التقليدي المحلي، إذا لم يكن يريد الاكتفاء بالاسترخاء على الرمال الذهبية للشاطئ أو الاستمتاع بالسباحة في المحيط الأطلسي.

الموسيقى

تعد الموسيقى جزءاً أساسياً من نسيج المدينة، بحيث يتميز كل شارع في داكار بأنغامه الخاصة؛ من الموسيقى الحية والأغاني الصادرة عن السيارات المارة، إلى أصوات أجهزة الراديو بالمنازل التي تعلو ليل نهار. أما إذا رغبت في الاستمتاع بموسيقى حية، فيمكن التوجه إلى ملهى «جاست فور يو» للاستماع إلى أساطير الغناء في السنغال، مثل عمري بيني وفرقة «أوركسترا باوباب» التي تشدو بأغانٍ سنغالية تحمل مسحة كوبية خفيفة.

في الجانب القديم للمدينة يحلو التسكع لاكتشاف مزاراتها ومآثرها؛ مثل المسجد الكبير، أو فقط لمتابعة مشاهد الحياة اليومية، من عربات تجرّها الخيول، ومواقد مفتوحة تقدم وجبات زهيدة، وأكشاك متنقلة تبيع سلعاً متنوعة؛ من السجاد حتى الهواتف الجوالة.



التسوق

تشتهر أسواق غرب أفريقيا في معظمها بالازدحام وضوضائها التي لا يضاهيها صخب سوى الألوان والنقشات، مما يجعل السير عبر هذه الأسواق تجربة لا بد منها. الأهم من هذا؛ لا تحتاج إلى ميزانية كبيرة. أما بالنسبة لأفضل أسواق داكار، فهي «مارشيه كيرمل» و«مارشيه دي إتش إل إم».

توجد السوق الأولى بالقرب من الميناء، وأنشئت بالأصل في أواخر القرن الـ19، ثم أعيد تجديدها عام 1997. وهنا، يتسوق أبناء داكار طعامهم، ويجري ذبح الأبقار داخل السوق أمام العملاء، بينما تحاول أسماك الروبيان الهرب من الصناديق المحبوسة بها، بجانب توافر كثير من متاجر بيع الفاكهة والخضراوات الطازجة. خارج السوق، يوجد كثير من الأكشاك التي تبيع مصنوعات يدوية الصنع منحوتة من الخشب.

أما سوق «مارشيه دي إتش إل إم» فتقع على بعد كيلومترات قليلة من «غراند داكار»، وتتخصص السوق في المنسوجات والأقمشة، التي كلما زادت ألوانها سطوعاً كانت أفضل وأغلى.



كرة القدم

في السنغال، تحتل الرياضة مكانة الموسيقى نفسها، ويبدأ موسم كرة القدم في فبراير (شباط)، ويلعب أكبر نادٍ في داكار؛ «إيه إس سي جان دارك»، على أرض استاد «ليوبولد سيدار سنغور» الدولي الذي يتسع لـ60 ألف متفرج. أما أسعار التذاكر فتتراوح بين 3 جنيهات و15 جنيهاً إسترلينياً تقريباً؛ حسب المباراة. حضور هذه المباريات لا يقتصر على متابعتها فحسب؛ بل هي أيضاً احتفالية تتخللها أصوات الأبواق المستمرة والفرق الموسيقية التي تشدو وهي مرتدية قمصان فريقها المفضل. ومن الصعب ألا تقع في عشق هذه التجربة، سواء كنت من مشجعي كرة القدم أم لا.

الوسائط المتعددة