«بيكاسو»... المزاج الإسباني

الأحد - 10 نوفمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14957]

«بيكاسو»... المزاج الإسباني

  • A
  • A
القاهرة: منى أبو النصر
تتبع الكاتبة والناقدة الفنية الأميركية جيرترود ستاين، لمحات من حياة صديقها بابلو بيكاسو، أحد أشهر فناني القرن العشرين، منذ وطأت أقدامه أرض باريس بخلفية من التأثير الإسباني العتيد مُنذ ولادته بمدينة مالقه، وسنوات تعليمه المُبكرة في برشلونة، وذلك في الكتاب الذي أصدرته أخيراً «دار المدى» العراقية بعنوان «بيكاسو»، وترجمه للعربية الشاعر ياسين طه حافظ.
على مدار 111 صفحة، تكشف ستاين لحظات ووقائع مجهولة في سيرة بيكاسو، خصوصاً علاقته بالرسامين الفرنسيين، في تلك الفترة، مثل ماتيس وبراك، وغيرهما من الفنانين والكتاب والشعراء الذين ارتبطت هي أيضاً معهم بصداقات طويلة، فقد عاشت ستاين أغلب عمرها في باريس، ولم تزر الولايات المتحدة سوى مرات معدودة. ونظراً لاهتمامها بالفن التشكيلي وفضاءاته المتنوعة، أصبحت تعرف بـ«الآنسة ستاين.. ناقدة ونصيرة للفنانين».
تحيط ستاين (1874 - 1946) بمحطات بيكاسو منذ جاء من إسبانيا إلى باريس، وهو في التاسعة عشرة من عمره، راصدة معالم الشخصية الإسبانية التي سكنته، وتفاعلت مع نظيرتها الفرنسية في صراع ثري ظهر في محطات تطور رسم بيكاسو على مدار تاريخه، وسطوع تجربته ما بين هذين المهدين، وتوقفت عند رسمه دون الاستعانة بموديل، وهو الأمر الذي كان غريباً في ذلك الوقت، وتأملت بواكير تأسيسه للمدرسة التكعيبية، وبذورها الأولى التحليلية، ثم التركيبية في الرسم، لافتة إلى أن «بيكاسو لا يحمل في داخله الرسم الإسباني وحده، ولكن التكعيبية الإسبانية، التي هي حياة إسبانيا اليومية».
تُمهد ستاين لتأثير بيكاسو الإسباني المولد على مشهد الفن في القرن العشرين بقولها «في القرن التاسع عشر، كان الرسم في فرنسا، وكان الذين يرسمون فرنسيين. في غير ذلك المكان لا يوجد رسم، وفي القرن العشرين كان الرسم في فرنسا، ولكن الذين يرسمون من الإسبان».
بيكاسو الشاب الذي أتى إلى باريس، خرج من بيت شبّ فيه على والده الذي كان أستاذاً للرسم في أكاديمية الفنون الجميلة ببرشلونة، فصار بيكاسو «الطفل يتهجى الرسم، ويكتب الرسم، بينما كان الأطفال في عمره يكتبون الألف باء، فالرسم كلماته، واختار بابلو أن يرتبط اسمه أبديّاً باسم والدته لا والده، فكان اسم والده (روز)، ووالدته (بيكاسو). حاول في بداياته الجمع بين الاسمين، فجاء توقيع أول أعماله باسم (بابلو بيكاسو روز)، إلا أن الاسم أُختصر مع الوقت وصار بابلو بيكاسو».
وعاش بيكاسو معظم عمره في باريس، وتوفي بها أيضاً، وكانت له فيها صداقات واسعة مع الكُتاب، منهم الشاعر الصحافي ماكس جاكوب، الذي ساعده في تعلم الفرنسية ومعرفة الأدب الفرنسي، وأندريه بيرتون، وبراك، وأبولينير، وجان كوكتو، ومؤلفة الكتاب جيرترود ستاين، التي تصف هذه الصداقات بقولها «هذا تاريخ أدبي». وتفيض في الحديث عن الفرق بين ما تُطلق عليها «الأفكار الأدبية» لدى الكاتب ولدى الرسّام، تقول: «الرسّام لا يرى نفسه موجوداً داخل نفسه، إنه يرى نفسه انعكاساً للأشياء التي وضعها داخل صوره، وهو يعيش في انعكاسات صوره».
تمُر السيرة على الفترات التي أرخّت لتطور بيكاسو الفني، بداية من الفترة الوردية التي ظهرت بها بهجة باريس في أعماله، وكانت أولى لوحاته في تلك المرحلة هي «فتاة صغيرة وسلة ورد»، وتكررت الفترة الوردية مرة أخرى في حياة بيكاسو «مرتين أخلى نفسه تقريباً من إسبانيته، المرة الأولى في اتصاله الحقيقي بباريس، في الفترة الملونة أو الوردية 1904 - 1906، المرة الثانية عند اتصاله بالمسرح، تلك كانت الفترة الواقعية التي استمرت من 1918 إلى 1921»، وأطلق على هذه الفترة اسم «الفترة الوردية الناضجة».
تتطرق السيرة لبدايات المدرسة التكعيبية في الفن على يد بيكاسو، «بعد عودته من إسبانيا، وفي يده أول رسوماته التكعيبية عام 1909، وكذلك شغفه بالخطوط الشرقية؛ حيث إن الإسباني يستطيع استيعاب الفن الشرقي دون أن يُقلده»، كما تقول ستاين، ومن بعدهما النحت الأفريقي، فانشغاله بالسريالية قليلاً. ثم تتناول تأثير الفن الإيطالي، وكذلك الروسي عليه، وحتى توقفه عن الرسم في 1935، تقول الكاتبة عن هذا التوقف: «غريب أن يتوقف المرء عما يفعله طيلة حياته، لكن هذا ما حدث»، ومع عام 1937 عاد بيكاسو بلوحة كبيرة (غرنيكا) عن إسبانيا: «فوجد لونه الحقيقي».
يضم الكتاب 61 صورة لعدد من لوحات بيكاسو التي تتوزع بين الفترة الوردية والزرقاء والتكعيبية، منها لوحات «المرأة ذات الوشاح»، و«حياة ساكنة ونجوم»، و«الرقص» و«امرأة وجيتار»، و«فاكهة وقدح»، و«الحصان الأبيض في الحلبة»، و«الفقراء» وغيرها، كما تضم بورتريهين أحدهما لزوجته، والآخر لمؤلفة الكتاب جيرترود ستاين.
مصر Art

الوسائط المتعددة