أيام في لوزان... حيث تتراكم التجارب والذكريات اللذيذة

الأربعاء - 13 نوفمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 14960]

أيام في لوزان... حيث تتراكم التجارب والذكريات اللذيذة

من الطبيعة الساكنة إلى المتاحف الغنية والحياة الصاخبة
  • A
  • A
لوزان: شوقي الريّس

عندما تُغدق عليك الطبيعة بحليف هو أقرب ما يكون إلى الجنة، مثل بحيرة «لومان» الساكنة عند أقدام الجبال الخضر الساحرة، تخف وطأة الحياة اليومية، ويندفع في العروق نشاطٌ يجعلك تُقبِل بفرح وشغف على ما يستعصي عليك أو يضنيك في أماكن أخرى... تلك هي الحال مع مدينة لوزان المتراكمة فوق التضاريس والتشكيلات الجيولوجية التي تجعل من طرقاتها صعوداً وتسلّقاً كيفما اتجهت. ولذا، فإن أهلها، للدلالة على المواقع فيها، يفصلون بين المدينة دون محطة القطار وتلك التي فوقها، وكلتاهما متّصلتان بواسطة مترو يربط بين أطرافها بدقة الساعات السويسرية.

منذ عرفتها ولوزان مدينة تتأنى في العناية بمبانيها العريقة وساحاتها، وتجددها باستمرار، لكنها أيضاً تفتح مساحاتها أمام الإبداع المعماري الحديث، حتى صارت تضمّ مجموعة من المباني لأبرز المهندسين العالميين، تستقطب فضول الزائرين واهتمام السيّاح بقدر ما تجذبهم مبانيها القديمة. وآخر المشاريع الهندسية التي ينتظر إنجازها في عام 2021 هو حي الفنون الجديد، الذي يشمل متحف الفنون الجميلة، ومتحف الإليزيه، ومتحف «موداك» للتصميم الصناعي.

هذه المتاحف سوف تضاف إلى ستة أخرى موجودة، ويبرز من بينها المتحف الأولمبي الذي يرتفع مبناه الجميل على ضفاف البحيرة، شاهداً على الصلة الوثيقة التي تربط هذه المدينة بالرياضة، إذ يوجد فيها مقرّ اللجنة الأولمبية الدولية منذ تأسيسها. زيارة المتحف الأولمبي متعة لا تضاهى للكبار والصغار، يستعرضون فيه تاريخ الحركة الأولمبية، وأهمّ مراحلها، وأبرز أبطالها، إلى جانب قاعة مخصصة لتطور الملابس والمعدات الرياضية، وأخرى للملاعب والتطورات التي شهدتها المنشـآت الرياضية على مرّ السنين.

نترك المتحف الأولمبي، ونتجه صعوداً في متنزه «فيسّيل»، لنصل إلى أحد أجمل الأحياء السكنية في المدينة، الذي سكنت فيه -وما زالت- عائلات أرستقراطية من شتّى أنحاء العالم، لجأت إلى لوزان بعد أن دار عليها الدهر السياسي في بلدانها. وفي هذا الحي، يقع فندق «سافوي» الشهير، إحدى جواهر «الفن الجديد» الذي بُني في عام 1907، وتمّ ترميمه مؤخراً ليستعيد كامل رونقه وعظمته، كواحد من أجمل القصور الفنادق في العالم.

وأنسب المواقع للإطلال على المدينة في شكلها الأساسي من العصور الوسطى، والوقوف على الأسباب التي اقتضت هذا العدد الكبير من الجسور للتنقّل فيها، هي محطة «فلون» للمترو التي يرتفع بمحاذاتها مبنى «متروبول» الذي كان أول ناطحة سحاب على طراز «ديكو» من عام 1932. وعلى مقربة من المحطة، يقوم مبنى البريد، ومقرّ المصرف المركزي، وكلاهما من المباني التي يزورها طلاب كليات الهندسة المعمارية في سويسرا، ويحملان توقيع المهندس الشهير البارون هوسمان، الذي كلّفه نابليون الثالث بالإشراف على تجديد العاصمة الفرنسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وعلى بعد عشرات الأمتار، نجد ساحة «سان فرنسوا» الجميلة التي تطلّ عليها كنيسة من القرن الثالث عشر، وبجانبها متجر «Besson» ذائع الصيت، لبيع التبغ والسيجار ومستلزمات التدخين، الذي يعد من أجمل هذا النوع من المتاجر في العالم. ويذكر أن كاتب الروايات البوليسية المشهورة، البلجيكي جورج سيمينون، صاحب الشخصية الأسطورية المفتّش «ميغريه»، لم يكن يشتري تبغه إلا من هذا المتجر حتى وفاته في لوزان عام 1989. ولمن ليس مهتماً بالتبغ ولوازمه، فإن زيارة لهذا المتجر لها ما يبرّرها لأناقته، وما يزخر به من تاريخ، ولأن بمحاذاته يقع متجر «مانويل» للحلويات الذي يقدم منذ عام 1945 أفخر أنواع الشوكولا السويسرية.

أصحاب المزاج المتعكر ندعوهم للترفيه عن أنفسهم بزيارة ميدان «بالود» وسوق الخضراوات والفواكه الذي يقوم وسطه، ويمتدّ في نهاية الأسبوع إلى الشوارع الصغيرة المحيطة به، ويضجّ بالحركة والألوان وأصوات الباعة الذين يتبارون منشدين للمناداة على منتوجاتهم.

الكاتدرائية الكبرى، التي تعود إلى مطالع القرن الثالث عشر علـى الطراز القوطي، تستحق زيارة هادئة لما تحويه من روائع وتحف فنيّة. ومن الطرائف أن لوزان ما زالت تحتفظ بعادة انقرضت منذ العصور الوسطى، وهي أن الكاتدرائية ما زال لها حارسها الذي يسهر الليل في برجها، لينذر السكان في حال وقوع سرقات أو حرائق، وينادي معلناً الساعة من العاشرة ليلاً حتى الثانية فجراً.

واقتراحنا لأفضل المطاعم التي تلخّص نمط الحياة في هذه العاصمة الأولمبية هو «Brasserie de Montbenon» الذي لا تكتمل زيارة لوزان من دونه. وهو مطعم على الطريقة الفرنسية التقليدية، لكن مع الخدمة السويسرية التي لا تضاهى. وقد كان يتردد عليه عبقري الرقص الحديث، الفرنسي موريس بيجار، الذي قرر في عام 1987 أن تكون لوزان مقراً لفرقته العالمية التي حملت إلى كل الأرجاء اسم المدينة. وعرفاناً منها له، أطلقت اسمه على إحدى محطات المترو، وأقامت له نصباً تذكارياً قرب المنزل الذي أمضى فيه آخر سنوات عمره.

وجامعة لوزان العريقة هي أيضاً من المحطات اللازمة في زيارة المدينة، خصوصاً بعد افتتاح مكتبتها الشهيرة التي فاز تصميمها بعشرات الجوائز العالمية منذ تدشينها في عام 2010، حيث تتعانق في رحابتها سكينة البحيرة وأحدث الوسائل التكنولوجية، بلا أبواب ولا قواطع، تحت أمواج متلاصقة من الأسمنت.

ونهاية جولتنا في لوزان نتركها لزيارة حي «فلون»، الذي تمتزج فيه المطاعم بالمقاهي مع معهد الموسيقى، والمسارح وصالات العرض الفنّية بمتاجر التحف القديمة بالمرابع الليلية، تذكـّرنا بأن الحياة هي، كما قال بيجار عن الرقص: «قلّة من الشرح، وحفنة من الظرف، وقدر لا حدود له من المشاعر».


سويسرا سويسرا أخبار

الوسائط المتعددة