التغير المناخي... احتجاجات 2019 وتحديات 2020

الأحد - 29 ديسمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 15006]

التغير المناخي... احتجاجات 2019 وتحديات 2020

  • A
  • A
بيروت: نجيب صعب

الإضراب الفردي الذي بدأته الشابة السويدية غريتا تونبرغ للمطالبة بعمل سريع يتصدّى لتغيُّر المناخ، تحوَّل إلى حركة احتجاج عالمية طبعت عام 2019. وقد تكون هذه الحركة أبرز تطوُّر شهده المزاج الجماهيري على مستوى البيئة خلال العقد الحالي. فقد نزل عشرات الملايين إلى الشوارع في جميع مناطق العالم، بهدف حث الحكومات على تنفيذ خطوات فورية لخفض الانبعاثات الغازية المسببة لتغيُّر المناخ. لم تكن هذه المرة الأولى التي ينزل فيها الناس إلى الشارع تحت شعار التغير المناخي، لكنها كانت بلا شك أقوى حملة احتجاجات تشمل العالم كله، وتوصل صوتها إلى السياسيين والهيئات الدولية، على أعلى المستويات. ودخلت الحملة قاموس «كولينز» للغة الإنجليزية، الذي اعتبر مصطلح «إضراب من أجل المناخ» كلمة العام 2019. الرسالة واضحة؛ المناخ يتغيّر بوتيرة سريعة بسبب النشاط البشري، والنتائج كارثية، ليس على نوعية الحياة فقط، بل على الوجود البشري برمته. ولا يحق للجيل الحاضر أن يسرق الحق في الحياة من أجيال المستقبل.

ومع تعاظم الاحتجاجات التي أطلقتها تونبرغ، تتالت خلال السنة التقارير العلمية التي تؤكّد حراجة الموقف. فقد أصدر 11 ألفاً من أبرز العلماء تحذيراً بأن المناخ يتغيّر على وتيرة أسرع مما كان متوقعاً، ما يضع كوكب الأرض في حال طوارئ. الكارثة بدأت تحط رحالها، والنتائج ستكون أكثر حدة وأوسع انتشاراً من أي تقديرات سابقة، وأبرزها ارتفاع البحار أمتاراً وليس سنتمترات فقط، إلى جانب موجات الجفاف والفيضانات والأعاصير المتطرّفة والمتكررة. وطالب العلماء بالعمل سريعاً على توسيع مساحات الغابات، وتخفيف الانبعاثات من استخدام الطاقة، وصولاً إلى التقليل من أكل اللحوم. فتربية الأبقار من أكثر نشاطات الإنتاج الغذائي المسببة لانبعاث غازات الاحتباس الحراري.

تبيّن عام 2019 بما لا يقبل الشك، وجود تقصير فادح في الالتزام بالتعهدات التي قطعتها الدول لمواجهة تغيّر المناخ. فوفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، استمرت وتيرة ارتفاع كميات الغازات المسببة للاحتباس الحراري بالتصاعد، بدلاً من أن تنخفض، أو تقف عند حدود معينة على الأقل. ويعود هذا أساساً إلى الأنماط الاستهلاكية المنفلتة، في البلدان الغنية على وجه الخصوص. بعد يوم واحد على تقرير منظمة الأرصاد، صدر تقرير عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة يؤكّد أن الاستمرار على مستوى الانبعاثات الحالي سيؤدي إلى ارتفاع في درجات الحرارة يصل إلى 3.5 درجة مئوية مع نهاية القرن، ما يهدّد بكارثة انقراض. أما الالتزام بحدود ارتفاع في معدلات الحرارة لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية، فيتطلب تخفيض الانبعاثات بنسبة 7.6 في المائة سنوياً من الآن حتى 2030. وهذا يستدعي مجموعة من التدابير الصارمة تفوق الجهود الحالية بأضعاف.

هذه الأجواء طبعت قمة المناخ الخامسة والعشرين التي عُقدت في مدريد؛ حيث أجمعت الدول المشاركة على حراجة الموقف. لكن دول الاتحاد الأوروبي وحدها التزمت صراحة بالعمل على تخفيض إضافي للانبعاثات خلال السنوات العشر المقبلة. وظهر واضحاً أن الجميع ينتظر نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية بعد سنة، التي تسبق قمة المناخ السادسة والعشرين. وحتى ذلك الوقت، تبقى القرارات الحاسمة، بما فيها من التزامات مالية، مجمّدة. وسيكون علينا الانتظار سنة أخرى حتى انعقاد قمة المناخ السادسة والعشرين في مدينة غلاسكو الاسكوتلندية، ليتبين ما إذا كانت الإشارات التي صدرت عن قمة مدريد ستتحول إلى التزامات.

وفي حين ركّز العلماء على أهمية التشجير وزيادة مساحات الغابات، القادرة على امتصاص كمية كبيرة من غازات الاحتباس الحراري، تميّز عام 2019 بتراجع غير مسبوق في مساحة الأراضي الحرجية في العالم. وقد يكون الحدث الأفظع الحرائق الهائلة التي أصابت غابات الأمازون، والقطع الجائر بداعي شق الطرقات والمشروعات الكبرى، ما تسبب، في أقل من سنة، بخسارة مساحات شاسعة من الأشجار تتجاوز حجم لبنان. واللافت أن الرئيس البرازيلي بولسونارو اعتبر أن ما يحصل في الأمازون نتيجة لبرامج التنمية العشوائية قراراً سيادياً، لا يحقّ لأي كان التدخّل فيه. وما يفسّر هذا الموقف المستغرب أن بولسونارو ينتمي إلى مجموعة قليلة من الزعماء ينكرون التغيّر المناخي، في طليعتهم حليفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ومع وصول السنة إلى نهايتها، أصدرت مجموعة من كبار العلماء البرازيليين تحذيراً من أن أثر سياسات بولسونارو، التي ترعى أنماط التنمية المتوحشة في الأمازون، لا يقتصر على تغيّر المناخ، بل يهدّد بالقضاء على الإرث الطبيعي والحضاري للمنطقة بأكملها.

صحيح أن حصة الطاقات المتجددة بلغت نحو ربع الإنتاج العالمي من الكهرباء، لكن الاستخدام الأنظف للطاقة في قطاعات النقل والتدفئة ما يزال محدوداً جداً، ما ساهم في الارتفاع الكبير للانبعاثات. ولم تحصل تطوّرات ملموسة في استنباط تطبيقات عملية رخيصة الكلفة لتكنولوجيا التقاط الكربون واحتجازه، وهي ضرورية لاستخدام الوقود الأحفوري بكفاءة. وقد أوقفت بعض البلدان، ومنها بريطانيا، جزءاً كبيراً من الدعم الذي كانت قد خصصته للأبحاث في هذا المجال.

أما الفحم الحجري فقد بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة كمصدر للطاقة، منحدراً إلى أسفل قائمة الاستخدامات، إذ يتم استبداله بالغاز الطبيعي والطاقة المتجددة لإنتاج الكهرباء. وتم إغلاق نحو 40 في المائة من المحطات التي تعمل بالفحم خلال السنوات العشر الأخيرة، ما أدى إلى هبوط استهلاكه بنسبة 44 في المائة. ولا شك أن الاستمرار في هذا الاتجاه سيؤدي إلى تخفيض الانبعاثات على نحو ملموس.

رغم التحسُّن الذي طال وضع البيئة في مجالات محدودة، وعلى الأخص في نطاق الحلول التكنولوجية، فما برحت الحالة العامة تتدهور بسرعة. وفي طليعة ما يعرقل التقدُّم الاستمرار في أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدام. ومن أبرز التحديات البيئية العاجلة المياه العذبة، التي تتناقص بسبب الجفاف والاستخدام المفرط، والتلوث بالمواد الكيميائية والبلاستيك. ويصل التنوّع البيولوجي؛ حيث تختفي الأنواع الحيّة على نحو غير مسبوق، إلى 10 آلاف نوع في السنة، ما يهدد توازن الحياة على الأرض. ناهيك عن فقدان الغابات والغطاء النباتي، الذي يضرب مناطق شاسعة حول العالم، بسبب الاستثمار الجائر والتنمية المتوحّشة. وكانت الأحوال البيئية السيئة سبباً في ربع الوفيات حول العالم عام 2019. ويعود هذا، في معظمه، إلى تلوث الهواء الناجم عن الانبعاثات من توليد الطاقة ووسائل النقل والمصانع، خاصة في المدن. ولتلوّث المياه العذبة والبحار والتربة الزراعية دور كبير أيضاً في انتشار الأمراض التي يمكن تجنّبها عن طريق تحسين الأوضاع البيئية.

وعلى الرغم من التقدُّم الذي تم إحرازه في بلدان قليلة، على بعض الجبهات، بقي الوضع البيئي في المنطقة العربية قاتماً. فهي تعاني اليوم أكبر عجز غذائي في العالم، وهي الوحيدة التي تشهد زيادة في الجوع والفقر، ليس فقط بسبب الحروب والنزاعات، بل أساساً بسبب سوء الإدارة. وفي تناقض صارخ، فإن بعض أفقر البلدان العربية في موارد المياه المتجددة ما تزال الأقل كفاءة في استهلاك المياه، للاستخدامات المنزلية والبلدية، كما للري؛ حيث يذهب نحو نصف الكمية هدراً. وبينما سجّلت البلدان العربية بعض أدنى معدلات الكفاءة في استخدام الطاقة على الصعيد العالمي، إذ بلغت الخسائر في الكهرباء ضعفي المعدّل، فقد باشرت معظم البلدان تنفيذ برامج لتعزيز الكفاءة، وأعلنت عن أهداف محددة للتوسع في الطاقة المتجددة.

وفي حين يتابع المغرب تنفيذ خطته الطموحة في التحوّل إلى الطاقة المتجددة، أعلنت السعودية عام 2019 خطتها لإنتاج نصف احتياجاتها الكهربائية من الشمس والرياح بحلول سنة 2030. كما تستمر الإمارات في توسيع إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، خاصة الألواح الشمسية. وتوقعت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة في تقرير صدر في نهاية 2019 أن تخلق مشروعات الطاقة الشمسية وحدها نحو 200 ألف فرصة عمل في دول الخليج العربية بحلول 2030. وكانت مصر أدخلت الشمس والرياح بقوة في مزيج الطاقة، مع الاستغناء التدريجي عن الفحم الحجري. ويحاول الأردن استعادة مركزه المتقدم في إنتاج الطاقة المتجددة، الذي أصيب، قبل سنة، بنكسة نتجت عن تبديل مفاجئ في السياسات.

ما هو المطلوب بيئياً سنة 2020؟ الأولوية يجب أن تعطى لتسريع سياسات التحوّل نحو أنماط استهلاكية أكثر استدامة، تضمن إدارة متوازنة للموارد الطبيعية. وسيكون من الصعب على السياسيين تجاهل تحذيرات الإجماع العلمي عن المضاعفات الكارثية القريبة لتغيّر المناخ، التي تهدد الوجود البشري برمّته. وسيستمر ضغط الشباب في الشارع من أجل خفض أسرع للانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.

لكن تغيّر المناخ ليس التحدي الوحيد، مع أنه الأكبر والأكثر إلحاحاً اليوم. فهناك تحديات بيئية أخرى، معظمها مرتبط بتغير المناخ على نحوٍ أو آخر. من هنا كان المطلوب أيضاً تسريع العمل للحد من تدهور الأراضي الزراعية وتعرية الغابات، ومعالجة تلوث الهواء والماء والتربة، وإدارة المياه والطاقة بكفاءة، والإدارة المتكاملة للنفايات التي تتضمن تخفيف إنتاجها، إلى جانب خفض الانبعاثات الكربونية.

الواقع الذي لا يمكن تجاهله أن المواقف العدائية تجاه التغيّر المناخي والبيئة عامة، التي اعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ساهمت في تخفيف زخم العمل الدولي لرعاية البيئة في السنة الثالثة لولايته. ومع أن اللاعبين الكبار الآخرين تعهدوا متابعة التزاماتهم، فإنه لا يمكن تجاهل أثر الولايات المتحدة، صاحبة الاقتصاد الأكبر عالمياً. فعدا الانسحاب من اتفاقية باريس للتغيّر المناخي، تراجعت إدارة ترمب عن كثير من القيود البيئية داخل الولايات المتحدة نفسها؛ خصوصاً في مجال السماح بأعمال الحفر والتنقيب ومدّ الأنابيب في موائل طبيعية كانت محظورة سابقاً. وهذا شجّع قلة من زعماء دول أخرى على اتخاذ مواقف مشابهة، مثل الرئيس البرازيلي بولسونارو، الذي فتح الباب لمشروعات كبرى في مناطق كانت محظورة في الأمازون.

الشركات الأميركية تابعت الاستثمار في الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة، رغم القيود التي وضعها ترمب على التمويل وحجبه لمعظم موازنات البحث والتطوير، لأنها اعتبرت وجوده في الرئاسة حدثاً عابراً. لهذا، فمن المنتظر أن تكون الفترة المتبقية من عهد ترمب مرحلة انتظار، لمعرفة من يكون الرئيس الجديد. فإذا لم تتم إعادة انتخابه لولاية ثانية، فسيحصل تبدّل جذري في سياسات المناخ والبيئة مع أي رئيس آخر، وفق المواقف المعلنة. أما إعادة انتخاب ترمب لـ4 سنوات أخرى، حتى 2024، فستشكل ضربة موجعة للعمل البيئي على مستوى العالم، تؤدي إلى مزيد من التباطؤ. لكن في أي حال، العالم لن ينتحر، وستبقى الاهتمامات البيئية على جدول الأعمال الدولي، مع ترمب أو من دونه.


حصاد

الوسائط المتعددة